آخر التحديثات
الرئيسية » تقارير » الحرمان من الجنسية في السعودية: ربع مليون نسمة، ومعاناة تقترب من نصف قرن

الحرمان من الجنسية في السعودية: ربع مليون نسمة، ومعاناة تقترب من نصف قرن

غلاف التقرير

غلاف التقرير

Click here to read this post in English

اضغط هنا لتنزيل التّقرير بصيغة PDF

يتواجد اليوم قرابة 250 ألف نسمة في المملكة العربية السعودية بدون جنسية، يعانون نتيجة لذلك، أشكالاً متنوعة من الحرمان والتعقيد. حيث باتت الحقوق الأساسية في العالم المعاصر ترتبط بطبيعة الوضع القانوني الذي يتخذ أشكالا متعددة من بلد لآخر، وأبرز صوره هو أن يتواجد الأفراد بصفة مواطنين يحملون الجنسية أو مقيمين وفق مدة محددة أو مشروطة بدراسة أو عمل أو غير ذلك أو لاجئين، ما يمكنهم -كخطوة تالية- من الحقوق الإنسانية والمدنية والسياسية، وذلك وفقا للقوانين المعمول بها.

تقدم “عديمي الجنسية” في السعودية بالعديد من الشكاوى لجهات مختلفة، فقد صرحت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان الرسمية من تلقيها 2847 قضية على مدى 10 سنوات من 2004 حتى 2014، إلا أن الملحوظ أن أوضاعهم تزداد سوءً وتعقيداً، كما أن الوعود التي يطلقها بعض المسؤولين حول “متابعة وإهتمام ومعالجة” الملف، لم تنعكس لحد الآن على ربع مليون نسمة، يزداد مصيرهم غموضا.

في عام 2009 أعلنت المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة أن أعداد البدون في السعودية 70 ألفاً، فيما أشارت تقارير محلية في نوفمبر 2015 إلى أنهم أكثر من 250 ألف تدرس وكالة الأحوال المدنية معالجة أوضاعهم، من خلال تقديم تسهيلات جديدة وإعطائهم بطاقات بصلاحيات واسعة، من دون الإشارة إلى بوادر مشجعة حول نيلهم الجنسية.

وبحسب شهادات تلقتها المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فإن وزارة الداخلية السعودية تقسم البدون إلى أربعة أقسام:

  • قسم “القبائل الأربعة”: وهم قبائل عنزة وشمر وعتيبة وبني خالد، وقد انتهت معاناة الكثير منهم، بعد إصدار قوانين عدة للتجنيس، ومايزال جزء منهم دون جنسية حتى اللحظة.
  • قسم “القبائل المتحالفة”: وهي قبائل ترجع لقبيلة قحطان، تحالفت مع قبيلة عنزة وشمر وبني خالد والأساعدة منذ مئات السنين، واختلطوا معهم من خلال المصاهرة والأرحام، وتم تجاهلهم حين صدر قرار التجنيس، ولم يحصل أي منهم على الجنسية، حيث أقتصر التجنيس الذي منح حتى الآن على القبائل الأربعة.
  • قسم “البطاقات المنتهية”: ومنهم من كان يعمل خارج البلاد في الدول الخليجية، وتأخروا في التجديد، والبعض الآخر رفض التجديد طمعا بالحصول على الجنسية عن طريق معاملة كانت سارية لدى الأحوال المدنية بعيدا عن موضوع البدون، وحين حفظت المعاملة لم يسمح لهم بالتجديد لاحقاً، ولاتزال وثائقهم منتهية منذ 16 أبريل 1998.
  • قسم “شهادات الميلاد”: وهم الوحيدون في أقسام البدون اللذين لا يوجد لهم “رقم حاسب آلي” الذي هو بمثابة رقم وطني، ولا يملكون سوى شهادة تعريف من الأحوال المدنية تحتوي على اسم وصورة الشخص، وهذا يحرمهم من جميع الخدمات الحكومية والأهلية، لأن جميع الخدمات تحتاج إلى رقم وطني. هؤلاء هم الأسوأ حالاً والأكثر معاناة.

بداية المعاناة

بدأت قضية البدون خلال سبعينات القرن الماضي، حيث كان هناك قبائل تتنقل على الحدود من وإلى الدول المجاورة، ولم تسعى للحصول على الجنسية، وفي العام 1976 أصدرت السلطات السعودية بطاقات مؤقتة تلزم حامليها بالمكوث في محافظة حفر الباطن، وعدم الإبتعاد عنها أكثر من 60 كيلو متر. تكون هذه الوثيقة موثقة من شيخ القبيلة، إلا أنها كانت تقتصر على القبائل الأربعة: عنزة، شمر، عتيبة وبني خالد.

هذه الوثيقة  صدرت باديء الأمر على شكل ورقة بحجم A4 ، وفي إصدارها الثاني تم تحويلها على شكل بطاقة ذات وجهين، تحمل من الجهة الأمامية صورة رب الأسرة ومن الخلف أسماء وصورة العائلة. تمتد صلاحيتها لخمسة سنوات، وبعد ذلك تُجدد لخمس سنوات أخرى.

بعض شيوخ القبائل كان يستغل (البدون) وقت التجديد، ويتحصل منهم على مبالغ مادية غير مشروعة، جراء قيامه بتجديد الوثائق، مع أن ما يقوم به وظيفة مسنودة له من قبل السلطات ويتقاضى عليها أجراً.

يوجد لدى البدون من أقسام (القبائل الأربعة – القبائل المتحالفة) أرقام جوازات تحتوي على تاريخ إصدار وتاريخ إنتهاء، ولكن بدون جواز سفر. كما أن الجهات الرسمية سجلت لكل فرد من البدون أرقام جوازات سفر في ملفاتهم، دون أن يكن لدى البدون علم أن لديهم رقم جواز سفر، حيث لم يكن يُسمح للبدون بالاطلاع على ملفاتهم وما يدون فيها جراء تعليمات تمنع عنهم ذلك، أيضاً يُطلب منهم “التبصيم” على أوراق دون الاطلاع على فحواها أو معرفة ما تحتوي عليه من بيانات أو معلومات كتبت عنه.

وبمقارنة بين الأجانب المقيمين في السعودية، وبين فئة البدون، يتضح إن البدون أقلا حظاً، إذ يوجد في السعودية قانون لمنح الأجانب الجنسية وفق شروط وضوابط واضحة، بغض النظر عن سهولتها أو صعوبتها، وبغض النظر عن مدى جودة تطبيق القانون على أرض الواقع، إلا أن البدون لايوجد لهم أي قانون أو آلية مماثلة، ومصير جنسيتهم مجهول وغامض.

في 19 يونيو 2001 صدر أمر برقم: 24924، يسمح لمن لديه معلومات خاطئة من فئة البدون في الاسم أو القبيلة أو العائلة بالتعديل، وهذا الأمر استفادت منه جميع القبائل، الأربعة والمتحالفة، وبموجب هذا القرار تم تصحيح الكثير من البيانات.

غير أن فئة “القبائل المتحالفة” لم تتمكن من الإستفادة بعد ذلك من قانون صدر في قرابة عام 2002 من أجل منح البدون جنسيات، بدعوى إن من عدّل في بياناته يعتبر قام بعمل صنف فيما بعد على أنه (تزوير)، وبالتالي حرم بشكل تام من الإستفادة من قانون منح الجنسية، بينما لم يتم تطبيق ذات الأمر على البدون من فئة القبائل الأربعة الذين قاموا بالتعديل في بياناتهم أيضاً، في إجراء وصفه المتضرون من فئة القبائل المتحالفة أنه إنحياز غير مبرر.

استمر قانون منح البدون للجنسية من فئة القبائل الأربعة لمدة قاربت الأربع سنوات، إلى أن تم في قرابة 2006 إيقاف تجنيس البدون، بدعاوى وجود تزوير لدى متقدمين، حصلت أبان تعديل بياناتهم بموجب الأمر 24924. وبناء على ذلك تم فرض عقاب جماعي على البقية، في الوقت الذي يفترض إن كانت هناك حالات تزوير، فينبغي أن لايتضرر منها أبرياء لاذنب لهم.

لم يعلن رسميا عن إيقاف التجنيس في 2006، لكن مطلعين يقولون ان قرار منع التجنيس صدر على شكل قرار سري وعاجل من قبل وزارة الداخلية، وذلك وفق ما أفاد بعض المسؤولين في دوائر الأحوال المدنية، حتى أن المعاملات التي كانت في طور إجراءات منح الجنسية السعودية توقفت.

لم يتم تجنيس أي شخص من قسم (القبائل المتحالفة) نهائياً حتى اليوم، وتعتبر اللجان الرسمية إن كل من عَدَّلَ بياناته منهم بموجب القرار 24924 مزوراً، وتتحدث اللجان بشكل علني بأن أوامر التجنيس تخص القبائل الأربعة فقط، ويقول المطلعون على الملف إن ذلك عائد لتفرقة عنصرية تجاه القبائل المتحالفة لدى الجهات الرسمية. كما تتحدث اللجان عن إن القبائل المتحالفة عبارة عن قبائل “دخيلة” مع القبائل “الأربعة”، ولا تنتمي في أصلها إلى الجزيرة العربية، ولذا فهي لاتستحق الجنسية، غير إن هناك وجهات نظر أخرى تقول بأصالة إنتماء هذه القبائل.

أما نظام الجنسية العام، والذي لا يخص البدون بل يخص الأجانب، فإنه يميز بين (المرأة والرجل البدون)، إذ يقوم النظام بمنح الجنسية للمرأة إذا كانت من فئة البدون في حال تزوجت من رجل سعودي، أما إذا تزوج رجل من فئة البدون بإمرأة سعودية فإن ذلك لايمنح الرجل أي ميزة قانونية تؤهله للحصول على الجنسية. كذلك فإن الأولاد يحصلون على الجنسية إذا كان أبوهم سعودي وأمهم في الأساس من فئة البدون، أما إذا كانت أمهم سعودية وأبوهم من فئة البدون فإنهم يحرمون من الجنسية تبعا لوالدهم.

كما أكدت للمنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان مصادر مطلعة على القضية، أن ملف “البدون” قد تم توظيفه في نواح سياسية، حيث سهلت السعودية سفر عدد منهم إلى البحرين رغم عدم إمتلاكهم جواز سفر في الأساس، وتم حصولهم على الجنسية البحرينية، لأهداف تتعلق بالتغيير الديموغرافي والديني في البحرين وأهداف سياسية.

في عام 2015، انتهت صلاحية كل وثائق “البدون”، وأجبر من يريد التجديد على توقيع تعهد بإحضار وثيقة من دولة أخرى تدل على وجود إرتباط نسب أو غيره خارج السعودية، وذلك قبل إنتهاء مدة الخمس سنوات الجديدة في 2020، ما يثير القلق على مستقبلهم. وقد قالت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان الرسمية في 9 فبراير 2015 إن: (إجراءات تصحيح البدون بطيئة جداً وإن الإشكالات ستتوسع إذا ما تأخر حسم هذا الملف).

لا يزال الملف عالقا عند وزارة الداخلية، كما لا يزال 250 ألف داخل السعودية يعانون جراء حرمانهم من جنسياتهم، وتمتد هذه المعاناة إلى كافة جوانب الحياة، ومنها:

  •  الوظائف العامة: يحرم البدون من العمل في القطاع الحكومي، كما لايستطيع كثير منهم العمل في القطاع الخاص، كما يضطرون أحيانا لتقبل ظروف عمل أشبه بأعمال السخرة والإستعباد، أو ترويج المخدرات مقابل مبالغ قليلة يستغلهم فيها تجار المخدرات نتيجة لظروفهم المادية الصعبة الناتجة من وضعهم القانوني، كما يمارس عليهم بعض أرباب الأعمال ضغوطاً نتيجة لمعرفتهم المسبقة بحاجة البدون للوظيفة وخوفهم من فقدانها، إضافة إلى أن العديد من الشركات باتت ترفض التوظيف دون أوراق ثبوتية، ولايمكن أن يحظى البدون الذين لم يوقعوا على التعهد اللازم لتجديد الوثائق الذي طبق في 2015 على وظيفة؛ بسبب عدم وجود وثائق مجددة بحوزته، لذا يضطر البعض مكرها من التوقيع على التعهد.

ورغم إحتسابهم ضمن نسب (السعودة)، إلا أنهم لا يعاملون معاملة السعوديين، حيث لا يمكن للبدون -مثلا- أن يكون مفوضا من قبل الشركة لدى الجهات الحكومية، ولا يفتح له حساب لمتابعة أعمال الشركة لدى وزارة العمل والجوازات والتأمينات الاجتماعية والغرفة التجارية وغير ذلك، مهما أرتفع منصبه أو قيمة شهادته أو تخصصه.

أما قسم “البطاقات المنتهية” وقسم “شهادات الميلاد” فإنهم لايتمكنون من العمل بأي صيغة نظامية، حيث يقومون بأعمال غير نظامية مثل بيع خضار وفواكه على جوانب الطرقات، أو العمل غير النظامي كسائق أجرة غير مرخص، ويكونون عرضة للإيقاف والمسألة.

  •  الزواج: يحتاج البدون إلى موافقة وزارة الداخلية في حال كان الزواج بين مواطن أو مواطنة وطرف آخر من البدون، وفي حال صدرت الموافقة تحوّل المعاملة إلى المحاكم لتثبيت زواجهم، بينما يكتفي المواطنون بتوثيق شرعي من أقرب مأذون أنكحة دون الحاجة لموافقة وزارة الداخلية. مع العلم أن الداخلية تُعَقِّد معظم طلبات الزواج من البدون، ولكنها على الجانب الآخر تسهل الزواج حينما يكون الطرف السعودي سواء زوجة أو زوج كبيرا في السن أو مريضا يتعذر عليه الزواج من مواطن أو مواطنة سعودية، وفي هذه الحالة تسهل الموافقة، مما يعتبر ذلك استغلالا سافراً للظروف السيئة التي يعيشها البدون، وزيادة معاناتهم بسبب حرمانهم من الجنسية.
  •  الصحة والتعليم: يمكن تسجيل المواليد الجدد للفئة صاحبة البطاقات سارية المفعول، سواء كان من الحلفاء أو القبائل الأربعة، أما أصحاب الوثائق المنتهية وأصحاب شهادات الميلاد فلا يتم تسجيلهم. ويستعيض عن ذلك أصحاب شهادات الميلاد وأصحاب الوثائق بورقة من عمدة الحي، وقد توجد بعض الأوراق مختومة من قسم الشرطة أيضا بعد إصدارها من عمدة الحي، كما يوجد أيضا بعضهم بدون أوراق. ويواجه البدون صعوبة في القبول الدراسي وأداء بعض الاختبارات التي تحتاج الى رقم حاسب آلي مثل اختبار التحصيلي واختبار القدرات.
  •  التملك: لا يحق للبدون التملك أو الاستثمار أو مزاولة أي عمل تجاري، فهو يعمل في وطنه فقط كموظف، حيث يحظر النظام منحه أي ترخيص لمزاولة أي نشاط تجاري مهما كان بسيطاً، بالإضافة إلى حرمانه كثير من الخدمات، حيث لا يستطيع فتح حساب بنكي أو صرف شيك، وكذلك لايستطيع الإقامة بالفنادق أو الشقق المفروشة، أو استإجار السيارات لمن انتهت وثائقه، أو لمن لايمتلك رقم سجل مدني.

إن إستمرار أزمة البدون، تمثل دلالة على وجود إنتهاكات دائمة لأنظمة داخلية ودولية معتمدة في السعودية، وعلى رأسها النظام الأساسي للحكم، حيث تنص المادة 10: (أن تحرص الدولة على توثيق أواصر الأسرة ورعاية جميع أفرادها، وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم)، المادة 26: (أن تحمي الدولة حقوق الإنسان وفق الشريعة الإسلامية).

وعلى صعيد القانون الدولي، فإنه أعطى للدول هامشاً في موضوع الجنسية، حيث أقرت محكمة العدل الدولية حق الدول في الإحتفاظ بحرية تشريع قوانين الجنسية، إلا أنها حددت ذلك بالحفاظ على حقوق الأفراد في الوصول إلى حقوقهم المدنية والسياسية، وهذا ما كفلته عدد من القوانين والتشريعات:

  •  الفقرة الأولى من المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على أن لكل فرد الحق في التمتع بجنسية ما.
  •  تنص المادة 24 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل طفل الحق في إكتساب جنسية.
  •  تنص المادة 29 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان على أن لكل شخص الحق في التمتع بجنسية.

وحاول البدون على مدى سنوات أن يجدوا حلولا لوقف معاناتهم، حيث أرسلوا برقيات فردية إلى الجهات المسؤولة، كما قدم شيوخ القبائل رسائل إلى وزارة الداخلية وإلى الملك، إضافة إلى سلسلة المناشدات عبر وسائل الإعلام المختلفة، إلا أن تلك المحاولات لم توقف معاناتهم التي تتفاقم.

ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، إن معاناة البدون داخل السعودية، أنطوت على العديد من التجاوزات والإنتهاكات والتمييز العنصري، وتحتاج إلى حلول جذرية عاجلة وعادلة تشمل جميع فئات البدون دون أدنى تمييز، وذلك حسب الاعراف والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وإنطلاقا من حق الإنسان بالحصول على الجنسية، الذي يضمن به وضعا قانونيا يجعله مستحقا لحقوقه السياسية والمدنية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية. إن عدم حل مشكلة البدون سيفاقم من حجم المشاكل يوماً بعد آخر، وسيزيد من التعقيدات، في ظل زيادة سكانية في السعودية بمعدل 2.6 وفق إحصائيات لعام 2014 مايعني إن عددهم وخلال خمس سنوات قابل للزيادة من 250 ألفا حتى 285 ألف نسمة. إن إستمرار عدم المعالجة الإيجابية يحمل دلالات على عجز إداري وتنموي تُساءل عنه السلطات السعودية.