
أصدر الأمين العام للأمم المتحدة تقريره السنوي حول أعمال الترهيب والانتقام ضد الأفراد والمنظمات المتعاونة مع الأمم المتحدة وآلياتها الحقوقية. التقرير المقدم إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، يغطي المعلومات التي تلقتها الأمم المتحدة خلال الفترة الممتدة من 1 مايو 2025 إلى 30 أبريل 2026.
وفيما يدرج قضايا من 32 دولة بينها المملكة العربية السعودية، يخلص التقرير إلى أن الترهيب والانتقام من المتعاونين مع الأمم المتحدة لا يزالان ظاهرة واسعة النطاق، بينما يتزايد استخدام المراقبة الرقمية والقمع العابر للحدود لإسكات المدافعين والضحايا حتى بعد مغادرتهم بلدانهم.
السعودية: قيود مستمرة وانتقام لم يُعالج
أشار التقرير في قسمه المتعلق بالسعودية إلى تطورات مرتبطة بقضايا أربعة مدافعين وناشطين سبق أن تناولتهم تقارير الأمين العام، وهم: محمد فهد القحطاني، وعيسى النخيفي، ولجين الهذلول، وفوزان محسن عوض الحربي.
وقدّم التقرير تحديثًا تفصيليًا حول قضية المدافعة عن حقوق الإنسان لجين الهذلول، التي سبق أن أدرجتها الأمم المتحدة ضمن حالات الانتقام بسبب ما تعرضت له بعد تعاونها مع لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة في مارس 2018.
وكانت الهذلول قد تعرضت للاختفاء والاعتقال التعسفي والتعذيب، وفق المعلومات التي تلقتها آليات الأمم المتحدة. وفي يونيو 2020، خلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي إلى أن احتجازها كان تعسفيًا. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أدانتها المحكمة الجزائية المتخصصة بتهم مرتبطة بالأمن الوطني، قبل أن يُفرج عنها في 10 فبراير 2021، مع إخضاعها للمراقبة ومنعها من السفر.
وبحسب المعلومات التي تلقاها مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ما زالت الهذلول خاضعة لحظر سفر غير محدد المدة. وقد مُنعت من مغادرة السعودية إلى أوروبا ثلاث مرات على الأقل خلال فترة التقرير، في يونيو وسبتمبر 2025، ثم في يناير 2026.
وفي 19 يونيو 2025، حاولت الهذلول السفر عبر البحرين، إلا أنها أوقفت عند الحدود وأُبلغت بأن حظر السفر المفروض عليها لا يزال ساريًا، من دون إبلاغها بتاريخ انتهائه. وفي 18 ديسمبر 2025، أرسلت رسالتين إلى الديوان الملكي تطالب فيهما بمعالجة منع السفر، لكنها لم تتلقَّ أي رد حتى وقت إعداد التقرير.
ردت الحكومة السعودية على مذكرة الأمم المتحدة في 20 يوليو 2026، وأنكرت تعرض الهذلول للتعذيب أو الاختفاء أو الاعتقال التعسفي. كما نفت أن تكون الإجراءات المتخذة ضدها مرتبطة بتعاونها مع آليات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
وادعت الحكومة أن حظر السفر يستند إلى حكم قضائي، وأن الهذلول حُكم عليها، بموجب قانون مكافحة جرائم الإرهاب وتمويله، بالسجن خمس سنوات وثمانية أشهر، مع تعليق سنتين وعشرة أشهر من العقوبة، إضافة إلى حظر سفر لمدة مساوية لمدة الحكم.
التقرير اعتبر أن استمرار منعها من السفر، وعدم تحديد موعد لانتهاء الحظر، يأتيان ضمن مسار طويل من القيود التي تواصل السلطات فرضها عليها رغم الإفراج عنها منذ أكثر من خمس سنوات. كما أن عدم معالجة الانتهاكات السابقة أو التحقيق في مزاعم التعذيب يكرّسان الإفلات من العقاب ويجعلان أثر الانتقام مستمرًا حتى بعد انتهاء الاحتجاز.
القمع العابر للحدود والمراقبة الرقمية في تصاعد
على المستوى العالمي، أكد التقرير أن عدد حالات الترهيب والانتقام التي ترتكبها دول وجهات غير حكومية ضد المتعاونين مع الأمم المتحدة بقي مرتفعًا. وقد شملت الحالات الواردة فيه 31 دولة عضو ودولة مراقبة غير عضو واحدة، وهو رقم مماثل للعام السابق.
وأشار الأمين العام إلى أن هذه الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات. فقد اضطرت الأمم المتحدة إلى عدم إدراج حالات موثقة مرتبطة بأربع دول إضافية بسبب المخاطر الجدية التي قد يتعرض لها الضحايا. كما أُخفيت هويات أصحاب نصف الحالات الجديدة الواردة في الملحق الأول بسبب الخوف من الانتقام.
وشملت أساليب القمع العابر للحدود الاعتقال التعسفي، وتوجيه التهم، والمحاكمات الغيابية، والمراقبة الرقمية والميدانية، والاعتداءات الجسدية، والترهيب والمضايقات الإلكترونية، ومصادرة الممتلكات وجوازات السفر، وفرض القيود على التنقل.
كما رصد التقرير إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والأمن الوطني والجرائم الإلكترونية، إلى جانب استخدام آليات التعاون الجنائي والتسليم بين الدول من دون توفير ضمانات حقوقية كافية. ولم يقتصر الاستهداف على الأشخاص المتعاونين مباشرة مع الأمم المتحدة، بل امتد في بعض الحالات إلى عائلاتهم وزملائهم ومنظماتهم.
ولفت التقرير إلى أن المراقبة الإلكترونية والميدانية للمتعاونين مع الأمم المتحدة وردت في قرابة نصف الدول المذكورة، مقارنة بنحو الثلث في تقرير العام السابق. كما استخدمت أكثر من نصف الدول الواردة في التقرير قوانين أو تعديلات تشريعية أدت إلى تجريم أنشطة المجتمع المدني أو تقييد التواصل مع الآليات الدولية.
وأدى الخوف من الانتقام إلى زيادة الرقابة الذاتية، وعزوف ضحايا ومدافعين عن التعاون مع الأمم المتحدة، أو اشتراطهم عدم الكشف عن هوياتهم. وحذر الأمين العام من تفسير انخفاض عدد الحالات المعلنة على أنه تحسن، إذ قد يكون في الواقع نتيجة للخوف، وعدم توفر الحماية، وتعذر الإبلاغ الآمن.
يؤكد التقرير أن التواصل الآمن مع الأمم المتحدة ليس امتيازًا، بل حق يجب على الدول احترامه وحمايته. كما يحمل الدول المسؤولية الأساسية عن منع أعمال الترهيب والانتقام، وحماية المعرضين للخطر، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن التقرير يعكس استمرار الانتقام بأشكال مختلفة في السعودية حتى بعد الإفراج عن المدافعين، من خلال منع السفر والقيود المفتوحة وغياب الانتصاف والمحاسبة. وتشدد أن هذا الاستهداف جزء من نمط أوسع يهدف إلى تقييد المجتمع المدني وردع الضحايا والنشطاء عن التواصل مع الآليات الدولية.
