إستغلال الأروقة الثّقافيّة لأنسنة النّظام السّعودي *

إستغلال الأروقة الثّقافيّة لأنسنة النّظام السّعودي *

بذل النّظام السّعودي جهوده خلال الأعوام السبعة الأخيرة لتغيير الصّورة النّمطيّة للمملكة في الخارج مستخدمًا الأروقة الأكاديميّة والصروح الثّقافيّة. جهود النّظام تتركّر على الغرب خاصّة، فرغم سعي المملكة إلىى تعزيز تحالفاتها الآسيويّة، عبر إرساء علاقات حميميّة مع الصّين والهند وروسيا يبقى الغرب المعضلة الرّئيسيّة لهذا النّظام، ذلك لأنّ الغرب، المتمثّل بالولايات المتّحدة الأميركيّة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، يشكّل ضمانة أمنه وعرشه الأساسيّة.

 إستطاعت الحرب الرّوسيّة الأوكرانيّة إثبات أنّ محاولات هذه الدّول لخلق مسافة بينها وبين النّظام السّعودي محكومة بالفشل، ما دامت خاضعة لملف الطّاقة التّي لاتزال السّعوديّة لاعبًا أساسيًّا فيه.

وفي ظلّ إحتياج القادة والحكومات في الغرب للعلاقة مع السّعوديّة، يطرح الرأي العام الغربي الكثير من التّساؤلات حولها، هذه التّساؤلات التّي ازدادت حدّتها لتتحوّل إلى إعتراضات بعد العام 2018 إثر إغتيال الصّحفي جمال خاشقجي في غرف السّعوديّة السّوداء.

بزعامة وليّ العهد شنّت الحكومة السّعوديّة حملة عالية المستوى لتغيير الخطاب الثّقافي، وذلك للدّور الذّي يلعبه هذا الخطاب، حيث تعتمد عليه الكثير من الحكومات الغربيّة وصانعو القرار فيها لبناء سياساتهم المستقبليّة تجاه الدّولة.

صنّاع القرار الغربيّون يتابعون ما يصدر وينشر عن السّعوديّة من قبل الأكاديميّين الموجودين في الجامعات الغربيّة لمتابعة التّطوّرات الحاصلة في المملكه وتحديد موقف يرسم أساس التّحالف الإستراتيجي معها. 

فرغم محاولات السّعوديّة للتّأثير على مجموعات الضّغط في واشنطن ولندن وغيرها من العواصم التّي تلعب دورًا رئيسيًّا على السّاحة الدّوليّة منذ زمن، إزدادت هذه المحاولات وصارت أكثر تنظيمًا في هذا العهد مع محمّد بن سلمان. التّركيز على مجموعات الضّغط يعود لتأثيرها المباشر على صانعي القرار.

تتبنّى مجتمعات الأعمال وشركات النّفط والطّاقة وكلّ الشركات التي لها مصلحة في الاستثمار في السّعوديّة خطاب مجموعات الضّغط وتتأثّر به، وتحاول من خلاله دراسة مدى إستقرار النّظام السّياسي والإقتصادي وجدوى الإستثمار في البلد.

الكثير من هذه المراكز مدعوم بشكل مباشر من النّظام السّعودي، وقد بدأ بعضها بإنتاج خطاب جديد يطمئن الحكومات الغربيّة وصانعي القرار فيها.

تعمل الحملات التي تقودها مراكز تدار بواسطة مجموعات الضّغط على التّسويق لهذا النّظام كنظام إصلاحي لبيرالي، يتّجه نحو الإنفتاح ويعمل على القضاء على كلّ ما يمسّ الحقوق والحريّات الشّخصيّة، ويسمح للمجتمع بالتّعبير عن نفسه بكافّة مجالات الحياة كالحفلات والغناء والتّرفيه والرّقص في الشوارع.

باتت زيارات الباحثين العاملين في مثل هذه المراكز إلى المملكة وإجراء مقابلات مع رجالاتها، لوصف التّغيّرات والتّحسينات، روتينًا متكرّرًا يعودون بعده إلى مراكز عملهم ليكتبوا التّقارير المهنّئة على النّقلة النوعيّة في البلاد. تعمل أيضًا هذه المراكز على إبعاد السّعوديّة عن الواقع الذّي وصمت فيه بالماضي وربطها بالإرهاب والتّطرّف الديني والدّعوة الوهابيّة.

الرّغبة لتغيير هذا الواقع وإزالة كلّ تلك الأحداث من الذّاكرة المجتمعيّة التّاريخيّة شديدة الإلحاح، و عبر هذه المراكز يتمّ رسم صورة مجتمع إنقلب على ذاته وأصبح مجتمعًا جديدًا. وقد إستطاع تمويل مراكز البحث هذه التّأثير على الخطاب الأكاديمي أيضًا، وأدّى إلى نشر الكثير من المقالات والكتب المروّجة للمملكة ووجهات نظرها.

 الجامعات هي المحفل الثّاني يتمّ من خلاله تغيير الخطاب الثّقافي، وتعدّ أولى الخزّانات التّي وصلها زخم أموال النّفط منذ بداية الطّفرة النّفطيّة. رغم أنّ واقع الجامعات يختلف من بلد إلى آخر إلّا أن قدرة الحكومات الخليجيّة على دعم مراكز التّعليم العالي بأشكال ملتوية أحيانًا ظلّت موجودة.

يتميّز نظام تمويل الجامعات في الولايات المتّحدة الأميركيّة والمملكة المتّحدة مثلًا بالمرونة، ففي الولايات المتّحدة الجامعات مؤسّسات خاصّة مستقلّة عن الحكومات وذلك يسّهل عمليّة التّمويل والدّعم المادّي، أمّا في المملكة المتّحدة ورغم كون نظام التّعليم الجامعي فيها إستثنائي يتأرجح بين الرّسمي والخاص فإنّه يقبل التّمويلات الأجنبيّة الخارجية لمراكز أو مشاريع بحثيّة ويرحّب بها.

أمّا في الدّول الأوروبيّة الأخرى كألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فالجامعات مراكز عامّة مجانيّة تدار وتموّل من قبل الدّولة مباشرة، وهناك تشديد على إستقلاليّتها كمؤسّسات وعلى عدم قبول الأموال الخارجيّة، ولكنّ كما ذكرنا سابقًا تستطيع الدّول الإتيان بأموالها بطرق ملتوية. 

 تُبرز كليّة لندن للإقتصاد مثلًا قدرة الحكومات على التّأثير على صروح عريقة، حيث تضمّ قاعة اسمها قاعة بن زايد مموّلة من الإمارات. وفي مفارقة مضحكة إستخدمت هذه القاعة في فترة ما سمي بالرّبيع العربي لعقد النّدوات والمؤتمرات والإجتماعات الذّي تناقش الدّيمقراطيّة في العالم العربي.

“الكرسي الأكاديمي” هي الغاية التّي يطمح لها أي ممّول، ليرتبط إسمه بالجامعة، ففي كامبرديج مثلًا هناك كرسي أكاديمي خاصّ للدّراسات العربيّة الإسلاميّة مموّل لأجل هذه الغاية.

السّعودية مثلًا ولمواجهة الحملة التّي تشنّ عليها وعلى نظامها الذّي لا يتبنّىى الحقوق المدنيّة ولا يكرّسها تحاول التّأثير على جيل جديد من الطّلاب الذّين يتلقّون المعرفة من خلال أساتذة لهم علاقة مع السّعوديّة، أو من خلال كتاباتهم ومقالاتهم التّي يسعون عبرها إلى تغيير الرّأي العام هناك.

في ظلّ بروز التّأثير على هذه الصّروح كهدف واضح وصريح من تمويلها، تسعى الجامعات دائمًا إلى طمأنة مرتاديها وجمهورها أنّ التّمويل لا يمكن أن يؤثّر على موضوعيّة الأبحاث وحياديّتها وعدم إنحيازها. رغم كلّ محاولات الحفاظ على الإستقلاليّة يبقى التّساؤل دائمًا، كيف يستطيع متلّقي المال تجنّب الخضوع لمزاجيّة المموّل بشكل أو بآخر في الوقت الذّي يبقى التّمويل مهدّدًا بالتّوقف في حال صدور مواقف تخالف توجهّات الأخير؟

الصّحافة هي المجال الثّالث الذّي تحاول الحكومات التّأثير عليه، وهي بقدرتها على رسم الحيّز الثّقافي تبقى أهمّ مجال يمكن من خلاله نشر دعاية النّظام. في العام 2017 مثلًا عند بروز نجم محمد بن سلمان توافد صحافيّون من جميع الدّول الغربيّة إلى المملكة، وكانت المجّلات والجرائد الأميركيّة المرموقة والمهتّمة بمتابعة شؤون الشّرق الأوسط كواشنطن بوست ونيويورك تايمز الأكثر سطوعًا.

 صحافيّو هذه المؤسّسات كتبوا مقالات صادمة، روّجوا للتّغيرات المخمليّة الحاصلة في السّعوديّة، وحاولوا إظهار المملكة كبلد طبيعي لا إنتهاكات لحقوق الإنسان فيه، تزامن ذلك مع الوقت الذّي كانت السّعوديّة تعمل على تلمييع صورتها وإظهار رغبتها في الإصلاح في جميع المجالات مستعينةً بكافّة الوسائل.

 اليوم، دخلت شبكات التّواصل الإجتماعي كمؤثر أساسي على السّاحة، بتنا نلاحظ انخراط أكاديميّين في تلمييع صورة النّظام من خلال تغريداتهم وحضورهم على منصّات التّواصل الإجتماعي.

في القطاع السّياحي مثلًا، يستغلّ النّظام مجموعة جديدة من الأشخاص هم “المؤثّرون” أو ما يسمّى “بالإنفلونسرز”، وهؤلاء هم صورة جديدة من المشاهير الذّين خلقتهم مواقع التّواصل الإجتماعي، يتابعهم ملايين الأشخاص حول العالم بشكل لصيق، وتتصّف علاقتهم بالجمهور بالحميميّة والإستمراريّة.

ففي “مجتمع الفرجة” كما يسميّه المفكر الفرنسي جي ديبور، حيث للصّورة الكلمة العليا يبتعث النّظام بهؤلاء المؤثّرين وأغلبهم نساء يأتين من آسيا وأستراليا وأوروبا مقابل أموال طائلة للقيام برحلات سياحيّة، وزيارة معالم حضاريّة وثقافيّة وتصوريها لجلب السّياحة. خلال رصد وسائل التّواصل الإجتماعي وعلى رأسها توتير نلاحظ أنّ النّظام يستعين بأكاديميّين أيضًا للقيام بهذه المهمّة، حيث باتوا يظهرون مبتعدين عن كتاباتهم الأكاديميّة، مقابل رحلات للتّصوير في البلد، في محاولة واضحة النّظام لجذب أنظار ودغدغة مشاعر المستثمرين في الغرب وصنّاع القرار.

يرّوج النّظام الحالي لنفسه أنّه راعي المستقبل المشرق في السّعوديّة، في مساعي حثيثة لتغيير صورته التّي تشوّهت بشكلٍ كبير بعد إغتيال الصّحافي جمال خاشقجي عام 2018 بطريقة مروّعة.

القوّة النّاعمة هي وسيلة النّظام السّعودي للتّغلغل في المجتمع المدني الغربي، إن كان من خلال شركات العلاقات أو المساحات الأكاديميّة، التّي تصنّف خارج ما يسمّى شركات تحسين الصّورة عادةً، في ظلّ إنقلاب الرّأي العام الغربي عليه خلال الأعوام الثّمانية الماضية، خصوصًا بعد الطّرق التّعسفيّة التّي انتهجها في التّعامل مع النّاشطات النّسويّات، وذلك موضوع شديد الرّاهنيّة للمجتمع المدني العالمي والأمم المتحدّة ومنظّمات حقوق الإنسان وفي البرلمانات الغربيّة أيضًا.

محاولات النّظام مستمرّة لغسيل صورته في كافّة المجالات، ونحن لا نستطيع أن نقيّم مدى نجاحها أو  أن نرصد كيف تؤثر هذه الأعمال على قرارات الحكومات وقرارات رجال الأعمال، لكنّنا لاحظنا خلال الأعوام الأربعة الماضية التّردد الذّي ساد مساحات مجال الأعمال والذّي أثّر على تدفّق رؤوس الأموال إلى السّعوديّة، فقد انسحب العديد من الأشخاص والبنوك والشّركات من مؤتمرات الإستثمار التّي حصلت بعد عام 2018 في آخر لحظة.

أنسنة النّظام تشكّل الهاجس الأكبر للسعوديّة اليوم، فالعهد بزعامة وليّه يحاول زرع صورة المملكة كدولة طبيعيّة بمعالم سياحيّة وبشر يعيشون يواكبون آخر صيحات التّكنولوجيا والأزياء والتّطوّر الثّقافي، مقابل خفض الأضواء الموجّهة نحو معاناة المعتقلين وسجناء الرّأي والتّضييق على المعارضين السّياسيين أو حالات الإعدام لأنّها النّقطه السّوداء في السّرديّة الجديدة التّي يريد النظام تثبيتها.

الكثيرون يرون أنّ الأكاديميّين السّعوديّين الموجودين في أوروبا وغيرها من الدّول يشاركون في حملة التّطبيل للنّظام، ويعملون على ترسيخ سرديّته رغم الآمال المعوّلة عليهم لإيصال صوت المجتمع باعتبارهم نخبة، لكنّنا لا يجب أن ننسى الضّغط الذّي يمارسه النّظام على هؤلاء المبتعثين، حيث قام النّظام مثلًا بموجة من الإعتقالات وفصل الكثير منهم في العام 2011 بسبب تغريدات أو تصريحات مشجّعة لحركات التّحرر في العالم العربي، وبعد إستدعائهم الى القنصليات تمّ فصلهم عن البعثات، دون أي قدرة لهم على متابعة الدّراسة أو توفير السّكن.

خلال الأعوام العشرة الماضية أيضًا، منع الذّين كتبوا عن مواضيع يراها النّظام حساسّة من الدّخول إلى السّعوديّة لاحقًا، ما أثّر بشكل مباشر عل قدراتهم الأكاديميّة، لأنّ الكثير من الأبحاث تعتمد على وجود الباحث داخل البلد.

أنا اليوم مثلًا بسبب توجّهاتي السّياسيّة لا أستطيع الدّخول إلى السّعوديّة، ورغم عدم قدرة النّظام على منعي من القيام بأبحاثي وكتابة كتبي لاعتمادي بشكل كبير على الأرشيف التّاريخي الذّي لا يخضع للنّظام السّعودي، إلّا أنّه يحاول التّضييق على تواصلي مع الأكاديميين وغيرهم الموجودين داخل المملكة، فكلّ من يتواصل معي من البلاد يصبح مشبوهًا، بل أكثر من ذلك فإن التّواصل معي أو تحميل كتبي كان ضمن الإتّهامات التّي وجّهت لمعتقلي جمعيّة حسم.

في كتابي الأخير ابن الملك لم أستطع التّواصل مع الدّاخل، لكنّ موضوعه الرّئيسي كان عن السّعودييّن في المهجر، فجاءالكتاب مبنيًّا على تجاربهم.

في المقابل، ترتبط قدرة الأكاديمي الغربي على التّواجد في السّعوديّة برأي النّظام به، فوجوده في المملكة أساسي من أجل البحث وسلامة التّوثيق، ولكنّه معرّض دائمًا لعدم الحصول على تأشيرة دخول عند تشويهه لسمعة النّظام، ومن جهة أخرى يحاول الكثيرون من الباحثين الغربيّين تجنّب تعريض المواطنين والمقيمين في السّعوديّة للخطر بسبب تصريحات قد يعبّرون بها عن عدم إعجابهم بالنّظام فتؤذيهم.

أخيرًا، رغم كلّ المعوّقات يجب ألا نفقد الأمل، ونبقي الصّوت عاليًا، فالعمل الذّي تقوم به منظّمات حقوق الإنسان بالغ الأثر في إحداث توازن في الرّأي العام العالمي، لقدرته على التّخفيف من الخضوع للدّعاية السّعوديّة في العواصم الغربيّة بالكامل.

*كلمة مضاوي الرّشيد في المؤتمر السنوي الثالث لضحايا الانتهاكات في المملكة العربية السعودية الذي عقد بتاريخ 9و 10 ديسمبر 2022.

AR