
شاركت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان (ESOHR) في ندوة جانبية عُقدت على هامش الدورة 62 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف بعنوان “عقوبة الإعدام في السعودية: التعذيب، والإعدامات التعسفية، وتآكل المعايير الدولية”.
ونُظمت الندوة في 25 يونيو، بالشراكة بين المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، ومنظمة ريبريف ومنظمة القسط لحقوق الإنسان ومجموعة مينا رايتس، ومركز الخليج لحقوق الإنسان، وذلك بالتزامن مع مناقشة التقرير الموضوعي للمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفاً أمام مجلس حقوق الإنسان.
شارك في الندوة كل من علي الدبيسي، مدير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، وفلاح سيد من مجموعة مينا رايتس، ويحيى عسيري من منظمة القسط لحقوق الإنسان، وممثل عن منظمة ريبريف، ودانا أحمد من منظمة العفو الدولية، فيما أدار الجلسة مايكل خامباتا من مركز الخليج لحقوق الإنسان.
التعذيب والمحاكمات غير العادلة
استعرضت مداخلة منظمة ريبريف الأنماط المتكررة للانتهاكات التي تسبق إصدار أحكام الإعدام، موضحة أن العديد من القضايا تبدأ بالاعتقال التعسفي والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، مروراً بالحبس الانفرادي والتعذيب وسوء المعاملة وانتزاع الاعترافات بالإكراه، وصولاً إلى محاكمات تفتقر إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، الأمر الذي يجعل أحكام الإعدام الصادرة في مثل هذه القضايا فاقدة للمشروعية.
من جانبه، تناول يحيى عسيري واقع استقلال القضاء في السعودية، موضحاً أن المحكمة الجزائية المتخصصة أصبحت أداة لملاحقة المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان، من خلال التوسع في استخدام تهم الإرهاب والأمن الوطني لتجريم حرية التعبير والعمل الحقوقي والنشاط السلمي، بما أدى إلى إصدار أحكام قاسية، من بينها أحكام بالإعدام، بحق أشخاص لم يمارسوا سوى حقوقهم الأساسية.
أما فلاح السيد فتناولت الإطار القانوني لعقوبة الإعدام في السعودية، مبينة أن التشريعات المحلية تسمح بتطبيق العقوبة في نطاق يتجاوز كثيراً ما يجيزه القانون الدولي، كما استعرضت تفاعل آليات الأمم المتحدة مع قضايا التعذيب والاعتقال التعسفي والإعدامات، داعية إلى متابعة تنفيذ توصيات وآراء هيئات الأمم المتحدة المختلفة، ومواصلة مساءلة السعودية عن انتهاكاتها.
التمييز ضد الأجانب في قضايا المخدرات
بدورها، استعرضت دانا أحمد نتائج توثيق منظمة العفو الدولية بشأن الارتفاع الكبير في تنفيذ الإعدامات في قضايا المخدرات، مشيرة إلى أن هذه القضايا تؤثر بصورة غير متناسبة على العمال والمهاجرين الأجانب، الذين يواجهون تحديات كبيرة في الوصول إلى الترجمة والمساعدة القانونية والتواصل مع بعثاتهم الدبلوماسية، إضافة إلى غياب الشفافية حول المحاكمات وإجراءات تنفيذ الأحكام.
الإعدام كأداة سياسية
وفي مداخلته، أكد علي الدبيسي أن ما تشهده السعودية لا يمكن اختزاله في أخطاء قضائية أو تجاوزات فردية، وإنما يعكس قراراً سياسياً تتخذه أعلى مستويات السلطة في ظل غياب مؤسسات قضائية مستقلة قادرة على حماية حقوق المتهمين.
وأوضح أن السعودية سجلت رقماً قياسياً في تنفيذ أحكام الإعدام خلال عام 2024، قبل أن تكسر هذا الرقم مجدداً في عام 2025، معتبراً أن هذا التصاعد لا يمثل مجرد تشدد في تطبيق القانون، بل يعكس توجهاً سياسياً يستخدم الإعدام كوسيلة للحكم والردع وبث الخوف.
وأشار إلى أن نسبة كبيرة من الإعدامات لا تتعلق بجرائم القتل العمد، وإنما تشمل قضايا المخدرات، والقضايا السياسية، والاحتجاجات، وقضايا الإرهاب والأمن الوطني، إضافة إلى تنفيذ أحكام بحق أشخاص نُسبت إليهم أفعال ارتُكبت عندما كانوا أطفالاً، في مخالفة واضحة للمعايير الدولية.
وأضاف أن وجود محاكم ونيابة عامة ومحكمة عليا لا يعني وجود عدالة حقيقية، إذ إن القضاء أصبح أكثر خضوعاً للسلطة التنفيذية، ولم يعد يشكل ضمانة لحماية حقوق الأفراد، بل أصبح جزءاً من المنظومة التي تنفذ الإرادة السياسية.
وفي معرض حديثه عن الفئات الأكثر استهدافاً، أكد الدبيسي أن المنظمة توثق الانتهاكات بغض النظر عن هوية الضحية، إلا أن البيانات تكشف نمطاً واضحاً من الاستخدام المكثف لعقوبة الإعدام ضد أبناء الأقلية الشيعية، ولا سيما في المنطقة الشرقية، في قضايا تتعلق بالاحتجاجات والتعبير عن الرأي أو اتهامات فضفاضة بالإرهاب والأمن الوطني.
كما أشار إلى أن خطر إعدام القاصرين لا يقتصر على الأطفال الشيعة، إذ وثقت المنظمة حالات لقاصرين من الطائفة السنية لم يُكشف عن أعمارهم الحقيقية إلا بعد تنفيذ الإعدام، إضافة إلى وجود مؤشرات على حالات أخرى لم يتمكن الباحثون من توثيقها بالكامل بسبب السرية والخوف وغياب الوثائق.
وأكد أن السلطات تستخدم تهم الإرهاب، والإخلال بالأمن، والخروج على ولي الأمر، لتحويل الاحتجاجات السلمية أو التعبير عن الرأي أو حتى المشاركة في الجنازات إلى قضايا قد تنتهي بعقوبة الإعدام، رغم أن هذه الأفعال لا تندرج ضمن “أشد الجرائم خطورة” وفق القانون الدولي.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على ضرورة أن تتبنى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة موقفاً واضحاً يدعو إلى الوقف الفوري لتنفيذ أحكام الإعدام في السعودية، وتخفيف أحكام الإعدام المخالفة للقانون الدولي، ووقف استخدام العقوبة في قضايا المخدرات والقضايا السياسية والقضايا المتعلقة بالأطفال، وإعادة محاكمة القضايا التي شابتها انتهاكات جسيمة، بما في ذلك التعذيب وانتزاع الاعترافات بالإكراه وحرمان المتهمين من حقوق الدفاع.
