
يواجه عشرات المواطنين الإثيوبيين خطر الإعدام في المملكة العربية السعودية، بعد أن انتهت رحلات بدأها كثير منهم هرباً من الحرب والنزوح والفقر وانهيار سبل العيش إلى الاعتقال والمحاكمة في قضايا مرتبطة بالمخدرات.
وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن عدداً منهم وصلوا إلى الحدود السعودية عبر أحد أخطر مسارات الهجرة في العالم، معتمدين على مهربين ووسطاء تحكموا في تنقلهم وطعامهم وحمايتهم وفرص وصولهم إلى السعودية. وتظهر في عدد من القضايا مؤشرات جدية إلى احتمال تعرضهم للخداع أو الإكراه أو الاستغلال من قبل شبكات التهريب.
ومع ذلك، صدرت بحقهم أحكام بالإعدام إثر محاكمات شابتها انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، من بينها الحرمان من المحامين، وغياب الترجمة الملائمة، وعدم فهم الوثائق والإجراءات، والتوقيع على محاضر غير مفهومة، إضافة إلى ادعاءات بالتعذيب وسوء المعاملة.
عشرات الإثيوبيين في عنابر الإعدام
تشير المعلومات التي جمعتها المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان إلى وجود عشرات المواطنين الإثيوبيين المحكومين بالإعدام في سجن خميس مشيط بمنطقة عسير، موزعين على عدد من العنابر.
وكانت القنصلية الإثيوبية في جدة قد أشارت إلى وجود 65 مواطناً إثيوبياً محكوماً بالإعدام في أحد عنابر السجن. كما وردت معلومات عن وجود ما لا يقل عن 14 إثيوبياً في عنبر آخر، وعشرة في عنبر إضافي. ولا تقتصر هذه القضايا على سجن خميس مشيط. فقد أعلنت وزارة الداخلية السعودية تنفيذ أحكام إعدام بحق مواطنين إثيوبيين في منطقة نجران، ما يؤكد وجود إثيوبيين محكومين بالإعدام أو معرضين له في سجون ومناطق أخرى من السعودية.
ولا يزال العدد الإجمالي للمواطنين الإثيوبيين المحكومين بالإعدام في السعودية غير معروف، في ظل غياب الشفافية الرسمية، وعدم نشر الأحكام القضائية أو البيانات الكاملة المتعلقة بالمحكومين وأماكن احتجازهم ومراحل قضاياهم.
وكانت السعودية خلال عامي 2025 و2026، قد صعّدت من تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأجانب في قضايا المخدرات، وكان المواطنون الإثيوبيون من بين الجنسيات الأكثر تضرراً.
ففي عام 2025 وحده، أعدمت السعودية 35 مواطناً إثيوبياً في قضايا مرتبطة بالمخدرات. واستمر هذا النمط خلال عام 2026، مع تنفيذ أحكام إضافية، من بينها أحكام أعلنت السلطات السعودية أنها تتعلق بتهريب الحشيش.
وفي أواخر يوليو 2026، وردت معلومات من داخل سجن خميس مشيط تفيد بأن إدارة السجن تحققت من أسماء عدد من السجناء وصورهم وأماكن احتجازهم. وهي إجراءات ارتبطت، وفقاً لما وثقته المنظمة في حالات سابقة، بالتحضير لتنفيذ أحكام الإعدام. بعد ذلك، نُقل عدد من المعتقلين من عنابرهم، قبل أن تعلن السلطات إعدام خمسة مواطنين إثيوبيين.
وبحسب المعلومات المتاحة، لم تتمكن عائلات عدد من الذين أُعدموا من إجراء مكالمات أخيرة معهم، ولم تتلق إخطاراً مسبقاً بموعد تنفيذ الأحكام. ولا تزال بعض العائلات تفتقر إلى معلومات واضحة حول مكان احتجاز أقاربها، أو المرحلة التي بلغتها قضاياهم، أو ما إذا كانت أحكامهم قد أصبحت نهائية.
الهروب من الحرب والفقر عبر أحد أخطر مسارات الهجرة
وصل المعتقلون الإثيوبيون الذين توفرت معلومات عن ظروف هجرتهم إلى الحدود السعودية بعد رحلات طويلة وخطيرة عبر ما تطلق عليه المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة اسم “المسار الشرقي للهجرة”. وهو مسار قائم منذ سنوات طويلة، ينطلق من إثيوبيا ويمر عبر جيبوتي أو الصومال، ثم عبر خليج عدن إلى اليمن، قبل أن يتجه المهاجرون براً نحو الحدود السعودية، التي تمثل الوجهة النهائية للعديد منهم بحثاً عن فرص العمل.
وتصف المنظمة الدولية للهجرة هذا المسار بأنه أحد أكثر مسارات الهجرة ازدحاماً وخطورة في العالم، إذ يسلكه مئات الآلاف من المهاجرين بصورة غير نظامية، ويعتمد كثير منهم على المهربين لتسهيل تنقلهم. ويتعرض المهاجرون خلاله لمخاطر متعددة، من بينها الرحلات البحرية غير الآمنة، والعنف والاستغلال والابتزاز والاحتجاز، والاتجار بالأشخاص، إضافة إلى الوفاة أو الاختفاء أثناء الطريق.
وتظهر بين الحالات التي وثقتها المنظمة مجموعة من المهاجرين الذين غادروا إثيوبيا منذ عام 2022، وكان الكثير منهم أشخاص قدموا من إقليم تيغراي أو تأثروا مباشرة بالحرب وتداعياتها. فقد أدت الحرب وما رافقها من انتهاكات جسيمة ونزوح واسع وانهيار في سبل العيش والخدمات الأساسية إلى دفع بعض السكان إلى مغادرة مناطقهم والبحث عن الأمان أو فرص العمل خارج إثيوبيا. وحتى بعد توقف الأعمال القتالية الواسعة، استمرت آثار الحرب الإنسانية والاقتصادية، وظل مئات الآلاف من سكان تيغراي في حالة نزوح، ما جعل الفقر وانعدام الأمن وغياب فرص العمل عوامل إضافية تدفع إلى الهجرة.
وبحسب المعلومات المتوفرة، حمل بعض المعتقلين المحكومين بالإعدام حقائب أو مواد سُلّمت إليهم في مراحل مختلفة من الطريق. وتشير المعطيات إلى لم يكونوا يعلمون حقيقة محتوياتها، أو أنهم لم يكونوا قادرين فعلياً على رفض حملها بسبب التهديد أو الخوف أو اعتمادهم الكامل على المهربين في توفير النقل والطعام والحماية ومواصلة الرحلة.
وتشكل هذه الظروف مؤشرات جدية إلى احتمال تعرضهم للاتجار بالأشخاص أو الاستغلال أو الإكراه، وكان ينبغي أن تخضع لتقييم فردي وشامل، بدلاً من التعامل معهم تلقائياً باعتبارهم فاعلين مستقلين في عمليات تهريب المخدرات.
مؤشرات الاتجار والإكراه على ارتكاب الجرائم
قد ترقى هذه الوقائع، وفقاً لظروف كل حالة، إلى مؤشرات على الاتجار بالأشخاص لغرض الاستغلال في أنشطة إجرامية. ويعرّف بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص الاتجار بأنه تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم، بواسطة القوة أو التهديد أو الإكراه أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو استغلال حالة الضعف، لغرض الاستغلال. والسعودية دولة طرف فيه منذ عام 2007. ويرتب البروتوكول، إلى جانب المعايير الدولية ذات الصلة، التزامات بمنع الاتجار والتحقيق فيه وملاحقة مرتكبيه واتخاذ تدابير لحماية الضحايا ومساعدتهم.
ومؤخراً، وبمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص لعام 2026، قالت رئيسة هيئة حقوق الإنسان ورئيسة اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، هلا التويجري، إن السعودية تنظر إلى مكافحة الاتجار بالأشخاص باعتبارها مبدأً ورسالةً إنسانية، وشددت على حماية الضحايا ومساعدتهم وملاحقة الجناة.
على الرغم من ذلك، لا تشير المعلومات المتاحة إلى أن السلطات السعودية أجرت تقييماً متخصصا وشاملا لمؤشرات الاتجار في قضايا الإثيوبيين، ولم تحقق بجدية في هوية الأشخاص الذين جنّدوهم أو سلموهم المواد أو نظموا رحلاتهم أو استفادوا من نقل المخدرات.
محاكمات تفتقر إلى أبسط الضمانات
بحسب المعلومات، لم يحصل المتهمون على محامين خلال التحقيق أو المحاكمة، فيما اقتصرت إجراءات بعض القضايا على جلسات قصيرة لم يتمكنوا خلالها من عرض دفاعهم أو الاعتراض بصورة فعالة على الأدلة والاعترافات المنسوبة إليهم.
إضافة إلى ذلك، خضع بعض المعتقلين للاستجواب باللغة العربية رغم عدم إجادتهم لها، وطُلب منهم التوقيع أو وضع بصماتهم على محاضر ووثائق لم يتمكنوا من قراءتها أو فهم مضمونها.
وفي بعض القضايا، لم تتوفر الترجمة إلا خلال مراحل متأخرة من المحاكمة، أو جرى الاستعانة بمترجمين يتحدثون لغة مختلفة عن اللغة التي يفهمها المتهم. ولم يكن بعض المحكومين على دراية كاملة بالتهم الموجهة إليهم، أو بالأدلة المقدمة ضدهم، أو بالحكم الصادر بحقهم، أو بالمهل والإجراءات اللازمة للاستئناف.
وفي يونيو 2026، زار مسؤولون من القنصلية الإثيوبية سجن خميس مشيط والتقوا عدداً من المحكومين بالإعدام. وبحسب المعلومات، ناقش المسؤولون الانتهاكات التي شابت محاكماتهم، ومن بينها الحرمان من المحامين، وغياب الترجمة المناسبة، وعدم القدرة على ممارسة حق الاستئناف بصورة فعالة.
التعذيب وسوء المعاملة
بحسب المعلومات التي توفرت للمنظمة، تعرض عدد من المحكومين للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة خلال التحقيق، بهدف إجبارهم على الاعتراف أو التوقيع على محاضر لم يتمكنوا من قراءتها أو فهمها. وبحسب المعلومات المتاحة، لم تفتح السلطات تحقيقات مستقلة وفعالة في هذه الادعاءات، كما استُخدمت في بعض القضايا أقوال أو توقيعات يُشتبه في انتزاعها تحت الإكراه ضمن الأدلة المقدمة أمام المحاكم.
ويثير ذلك مخاوف جدية بشأن سلامة الإدانات والأحكام، ولا سيما أن اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، التي تعد السعودية طرفاً فيها، تحظر الاستناد إلى أي قول يثبت أنه انتُزع بالتعذيب، إلا لإثبات وقوع التعذيب ضد الشخص المتهم بارتكابه.
التمييز الديني والعنصري
إلى جانب انتهاكات المحاكمة العادلة، أكدت المعلومات تعرض عدد من المعتقلين للتمييز العنصري والديني داخل أماكن الاحتجاز، حيث ينتمي عدد كبير منهم إلى الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية، حيث صودرت صلبان كان يحملها بعض المعتقلين، وفُرضت قيود على ممارسة الصلاة الجماعية، كما تعرض معتقلون لإهانات أو اعتداءات مرتبطة بجنسيتهم أو لون بشرتهم أو ديانتهم.
وتأتي هذه الانتهاكات ضمن سياق يجعل المهاجرين الأفارقة، بسبب الحواجز اللغوية والهشاشة الاقتصادية والعزلة عن أسرهم وممثلياتهم القنصلية، أكثر عرضة للاستغلال وسوء المعاملة، وأقل قدرة على الوصول إلى المحامين أو الدفاع عن أنفسهم أمام المحاكم.
انتظار الإعدام
يعيش عشرات المحكومين الإثيوبيين تحت تهديد يومي بأن يُنقل أحدهم من زنزانته ويُعدم من دون سابق إنذار. ويفاقم هذا الخوف ما ورد عن التحقق المفاجئ من الهويات، ونقل السجناء من عنابرهم، ووقف الاتصالات، وعدم إعلان مواعيد التنفيذ، وحرمان العائلات من الزيارات أو المكالمات الأخيرة، إضافة إلى إعدام سجناء بعد فترة قصيرة من تطمينات بشأن مراجعة قضاياهم.
تؤدي هذه الممارسات إلى إبقاء السجين وعائلته في حالة من القلق الحاد والمستمر، وعدم اليقين بشأن ما إذا كان الحكم سينفذ خلال ساعات أو أيام. وقد اعتبر خبراء وهيئات تابعة للأمم المتحدة أن ما يُعرف بـ«ظاهرة انتظار الإعدام» قد يرقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وقد يبلغ في بعض الظروف حدّ التعذيب، ولا سيما عندما يقترن الانتظار المطول بالغموض بشأن موعد التنفيذ، والعزلة، وظروف الاحتجاز القاسية، والخوف المستمر من الإعدام من دون إخطار مسبق.
كما أن إبقاء العائلات في جهل بمصير أقاربها، وعدم إخطارها بتنفيذ الإعدام أو بمكان الدفن، وامتناع السلطات عن تسليم الجثامين أو تقديم معلومات واضحة بشأنها، قد يسبب لها معاناة نفسية شديدة وممتدة. وقد وثقت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان هذه الممارسة على نطاق واسع في قضايا الإعدام، حيث حُرمت عائلات كثيرة من استلام جثامين أقاربها أو معرفة أماكن دفنهم.
الخاتمة
ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن قضايا المواطنين الإثيوبيين المحكومين بالإعدام تكشف عن تقاطع خطير بين التمييز وانتهاكات المحاكمة العادلة وعقوبة الإعدام في السعودية.
وتعتبر المنظمة أن استمرار إعدام المواطنين الإثيوبيين في ظل هذه الانتهاكات لا يمثل استجابة عادلة أو فعالة للاتجار بالمخدرات أو للجريمة المنظمة، بل يؤدي إلى قتل أشخاص قد يكون بعضهم من ضحايا تلك الشبكات، بينما يظل المنظمون والمستفيدون الحقيقيون بعيدين عن المحاسبة. وتجسد هذه الإعدامات التعسف المتجذر في تطبيق عقوبة الإعدام في السعودية، وتكشف الطابع الدموي والمتسارع الذي اتخذته خلال السنوات الأخيرة، رغم ما يحيط بالقضايا من تعذيب محتمل، وحرمان من المحامين، وغياب للترجمة، ومؤشرات على الاتجار والاستغلال.
