قمع رقمي عابر للحدود: حجب حسابات المنظمة الأوروبية السعودية

تعرضت حسابات المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان خلال عام 2026 لسلسلة من القيود والإجراءات على منصات التواصل الاجتماعي. شملت هذه الإجراءات حجب محتوى المنظمة على منصة «فيسبوك» عن المستخدمين داخل السعودية، وإلغاء حسابها على «إنستغرام» بالكامل.

لا يمكن فصل استهداف حسابات المنظمة عن حملة رقمية أوسع برزت على مرحلتين خلال عام 2026، وطالت نشطاء ومعارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات وصفحات مستقلة تنشر محتوى يتعلق بالأوضاع الحقوقية والسياسية في السعودية. وتشير طبيعة الحسابات المستهدفة وتزامن الإجراءات المتخذة بحقها إلى نمط يثير مخاوف جدية من وجود مساعٍ منسقة لتقييد وصول الجمهور إلى المعلومات المستقلة وملاحقة الخطاب الحقوقي المنتج خارج السعودية

بدأت الموجة الأولى بصورة واضحة في أبريل 2026، عندما تلقى عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين والمنظمات الحقوقية إشعارات من منصات «إكس» و«فيسبوك» و«إنستغرام»، تفيد بتلقيها طلبات رسمية لحجب حساباتهم أو تقييد محتواهم داخل السعودية.

وبحسب متابعة المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فإن معظم الحسابات المستهدفة تنشر محتوى يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان والأوضاع السياسية في السعودية.  وفي هذا السياق، تداول مستخدمون وثيقة تحمل شعار النيابة العامة السعودية، تضمنت قراراً يستند إلى عدد من الأنظمة، بينها نظام النيابة العامة ونظام الإجراءات الجزائية ونظام مكافحة جرائم المعلوماتية. كما أشارت الوثيقة إلى خطاب صادر عن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بشأن نشر الحسابات الواردة فيها محتوى اعتبرته السلطات مخالفاً للأنظمة السعودية.

وفي 20 يوليو 2026، أكد عدد من المستخدمين، من بينهم مدير المنظمة الأوروبية السعودية علي الدبيسي، أن منصة «إكس» بدأت اتخاذ إجراءات بحق حساباتهم وحجبها داخل السعودية.

شهد أغسطس 2026 موجة ثانية أكثر شدة من القمع الرقمي. بدأت منصة «يوتيوب» حجب عشرات الحسابات داخل السعودية، فيما أضافت منصتا «إكس» و«فيسبوك» حسابات جديدة إلى قوائم التقييد الجغرافي. وفي بعض الحالات، امتد الاستهداف إلى حسابات بديلة أُنشئت بعد حجب الحسابات الأصلية.

في 11 أغسطس 2026، ألغت منصة «إنستغرام» حساب المنظمة بالكامل، فأصبح غير مرئي وغير قابل للبحث أو الاستخدام من أي مكان. كما باتت جميع المعلومات والمحتويات المرتبطة به مهددة بالحذف الدائم.

أظهر الإشعار المرسل إلى المنظمة أن الحساب خالف «إرشادات المجتمع»، من دون تحديد المحتوى المخالف أو توضيح طبيعة الانتهاك المزعوم. وأفادت المنصة بأن القرار نهائي، وأنه لا يمكن تقديم طلب مراجعة آخر. لم يذكر إشعار «إنستغرام» وجود طلب رسمي من السلطات السعودية، ولا تتوفر لدى المنظمة، حتى الآن، أدلة تؤكد أن إلغاء الحساب جاء بناءً على تدخل حكومي سعودي. إلا أن توقيت الإجراء، وطبيعة المحتوى الذي تنشره المنظمة، وتزامنه مع موجة أوسع من القيود التي استهدفت حسابات حقوقية وسياسية معنية بالسعودية، تثير احتمال ارتباطه بهذه الحملة.

وفي 21 أغسطس 2026، حجبت منصة «فيسبوك» محتوى المنظمة عن المستخدمين داخل السعودية. وأوضحت المنصة في إشعارها أن الإجراء اتُّخذ بسبب اعتبار المحتوى مخالفاً للقوانين المحلية السعودية، واستجابةً لطلب قانوني رسمي صادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية السعودية.

أدى الحجب على «فيسبوك» إلى منع الجمهور داخل السعودية من الوصول إلى توثيق المنظمة المتعلق بالإعدامات والمعتقلين والمحاكمات غير العادلة والتعذيب. أما إلغاء حساب «إنستغرام»، فقد منع الوصول العالمي إلى محتوى المنظمة وهدد سنوات من الأرشيف الحقوقي بالحذف.

ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن الموجتين اللتين برزتا خلال عام 2026 لا تمثلان أحداثاً منفصلة أو إجراءات مؤقتة، بل تندرجان ضمن نمط مستمر من قمع الخطاب الحقوقي والسياسي المتعلق بالسعودية.

بعد تفكيك المجتمع المدني المستقل داخل البلاد، وتجريم التعبير السلمي، واعتقال الأفراد وإصدار أحكام قاسية بحقهم بسبب منشوراتهم، باتت السلطات تسعى إلى ملاحقة الخطاب الحقوقي المنتج خارج السعودية والضغط على شركات التكنولوجيا العالمية لحجبه عن الجمهور.

إن التقييد الجغرافي لمحتوى منظمات ومدافعين يعملون في الخارج يوسّع نطاق الرقابة السعودية إلى ما وراء حدودها، ويجعل من شركات التكنولوجيا بوابات يمكن للسلطات من خلالها التحكم في المعلومات التي تصل إلى الجمهور داخل البلاد.

كما أن استجابة شركات التكنولوجيا لطلبات الحجب، أو تعطيلها الحسابات استناداً إلى مبررات عامة وغير محددة، من دون إجراء تقييم مستقل وشفاف ومتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، قد تجعلها مساهمة في تقييد الخطاب السلمي وتقويض الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

وتزداد خطورة ذلك عندما لا تكشف المنصات عن النصوص القانونية الدقيقة التي استندت إليها، أو المحتوى المحدد المعني بالقرار، أو لا توفر آليات فعالة للطعن والمراجعة.

وتؤكد المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن حجب الحسابات لن يحجب الانتهاكات، وأن استهداف منصاتها لن يوقف عملها. وستواصل المنظمة توثيق الانتهاكات ونشر المعلومات، والعمل على منع استخدام منصات التواصل الاجتماعي كأدوات للقمع والرقابة العابرة للحدود.

AR