
قدّمت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان مداخلةً إلى الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي ولجنة الاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة في إطار إعداد تقرير حول الاختفاء القسري في سياق القمع العابر للحدود. وتهدف المداخلة إلى تسليط الضوء على الأنماط والممارسات التي تستخدمها السعودية خارج حدودها الإقليمية، والتي تؤدي إلى حرمان الأفراد من حريتهم ثم إنكار مصيرهم أو أماكن احتجازهم، بما يرقى إلى الاختفاء القسري وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان.
القمع العابر للحدود كنمط منهجي
تُظهر الحالات الموثّقة أن ما يجري لا يُعدّ حوادث فردية أو معزولة، بل يأتي ضمن إطار مؤسسي وقانوني أوسع. تعتمد السلطات السعودية على اتفاقيات ثنائية للتعاون الأمني وتسليم المطلوبين، إضافةً إلى أطر إقليمية مثل مجلس التعاون الخليجي ومجلس وزراء الداخلية العرب لتسهيل توقيف الأفراد ونقلهم عبر الحدود. وغالبًا ما يتم استهداف أشخاص يُنظر إليهم كمعارضين أو منتقدين أو غير مرغوب فيهم سياسيًا بسبب نشاطهم السلمي أو آرائهم السياسية أو ارتباطاتهم العائلية.
أدوات قانونية تفتقر إلى الضمانات
في عدد من الحالات يتم تسليم أو ترحيل الأفراد من دول ثالثة من دون إجراء تقييم فردي مستقل لمخاطر التعذيب أو الاختفاء القسري، ومن دون ضمانات قضائية فعّالة. تفتقر الاتفاقيات الثنائية والإقليمية المستخدمة في هذا السياق إلى نصوص واضحة تحظر التسليم في حال وجود خطر حقيقي، كما لا تتضمن آليات رقابة قضائية مستقلة. ويؤدي ذلك إلى تجاوز مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية مناهضة التعذيب والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.
أنماط متكرّرة تؤدي إلى الاختفاء القسري
تكشف الحالات الموثّقة في السعودية عن نمط متكرّر يبدأ بتوقيف الفرد في دولة ثالثة بطلب من السلطات السعودية، ثم تسليمه أو ترحيله دون تقييم حقيقي للمخاطر. يعقب ذلك احتجازه فور وصوله إلى السعودية في ظروف احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، مع حجب أو تأخير الإفصاح عن مكان احتجازه وحرمانه من التواصل مع عائلته أو محاميه. وغالبًا ما يُستخدم الاحتجاز السري أو الانفرادي كمرحلة أولى قبل المحاكمة.
حالات موثّقة
استعرضت المنظمة عددًا من الحالات التي تعكس هذا النمط، من بينها تسليم حسن آل ربيع من المغرب عام 2023 واحتجازه في ظروف اختفاء قسري لعدة أشهر. كما تم تسليم أسامة الحسني من المغرب عام 2021 رغم طلب تدابير مؤقتة من لجنة مناهضة التعذيب. وشملت الحالات أيضًا إعادة أمجد طارق الفرج قسرًا من عُمان عام 2019، وقضية الصحفي Jamal Khashoggi عام 2018 التي اعتُبرت مثالًا صارخًا على استخدام المقرّات الدبلوماسية كأدوات للقمع العابر للحدود. كذلك تم تسليم الشاعر نواف الرشيد من الكويت عام 2018 واحتجازه سرًا لعدة أشهر، وترحيل المدافع عن حقوق الإنسان محمد العتيبي من قطر عام 2017، وإعادة دينا علي السلوم من الفلبين عام 2017 في ظل غموض حول مصيرها.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
تُظهر الحالات أن أكثر الفئات عرضة للاختفاء القسري في هذا السياق تشمل المعارضين السياسيين في الخارج، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين، والنشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافةً إلى أفراد من مناطق مهمّشة أو أقليات، وكذلك أقارب مطلوبين لدى السلطات.
غياب المساءلة واستمرار الإفلات من العقاب
على الرغم من وضوح الالتزامات القانونية الدولية، تظل آليات المساءلة غير فعّالة إلى حد كبير. فغياب التحقيقات المستقلة، وندرة الملاحقات القضائية، وعدم تفعيل الولاية القضائية العالمية، عوامل تُسهم في ترسيخ الإفلات من العقاب وتكرار هذه الانتهاكات.
تُظهر الحالة السعودية أن الاختفاء القسري في سياق القمع العابر للحدود ليس ممارسة عرضية، بل نمطًا منهجيًا تُسهّله اتفاقيات ثنائية وأطر تعاون إقليمي وآليات أمنية ودبلوماسية، في ظل غياب ضمانات حقوقية فعّالة.
لقراءة المداخلة كاملة:
