
بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في 30 أغسطس، تسلّط المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان الضوء على معاناة عائلات الأشخاص الذين تنفّذ السعودية بحقهم أحكام الإعدام من دون إخطار مسبق، ثم تحجب جثامينهم وتمتنع عن الكشف عن أماكن دفنهم. وتحرم هذه الممارسات العائلات من معرفة الحقيقة، وتوديع أحبائها، واستعادة رفاتهم ودفنهم وفقاً لمعتقداتها وتقاليدها.
ويكتسب عام 2026 أهمية خاصة، إذ يصادف مرور عشرين عاماً على اعتماد International Convention for the Protection of All Persons from Enforced Disappearance. وتتيح هذه المناسبة إعادة النظر في مفهوم الاختفاء القسري بوصفه انتهاكاً قد لا ينتهي دائماً بوفاة الشخص أو بإعلان إعدامه، بل قد يستمر عندما ترفض الدولة الكشف بصورة كاملة عن مصيره ومكان وجود رفاته.
فعندما تحرم الدولة شخصاً من حريته، ثم تعدمه من دون إخطار عائلته، وتستمر بعد ذلك في إخفاء مكان جثمانه، فإن إعلان الوفاة يكشف جانباً من مصيره، لكنه لا يوضح مكان وجوده بصورة كاملة. وفيما لا يشكّل كل رفض لتسليم جثمان، بمفرده، حالة اختفاء قسري تلقائياً، فإن اجتماع الحرمان من الحرية، وسرية تنفيذ حكم الإعدام، وعدم إخطار العائلة، وحجب المعلومات المتعلقة بمصير الشخص، ثم إخفاء مكان رفاته، قد يحقق عناصر الاختفاء القسري أو يشكّل استمراراً له، بحسب ظروف كل قضية.
وعلى الرغم من أن السعودية ليست طرفاً في الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، فإن الحظر المطلق للاختفاء القسري ملزم بموجب القانون الدولي، كما تشكّل أحكام الاتفاقية معياراً دولياً أساسياً لتقييم تعامل الدول مع مصير المختفين ورفاتهم وحقوق عائلاتهم.
تأتي هذه الممارسات في ظل تنفيذ السعودية أحكام الإعدام بمعدلات غير مسبوقة. ففي عام 2024، نفّذت ما لا يقل عن 345 حكم إعدام، وهو أعلى رقم مسجّل حينها منذ عقود. وفي عام 2025، تجاوزت هذا الرقم بتنفيذ 356 حكماً، مسجّلةً أعلى حصيلة سنوية معروفة في تاريخها الحديث. وحتى 19 أغسطس 2026، أعدمت ما لا يقل عن 134 شخصاً.
العائلات تعرف بالإعدام بعد وقوعه
لا تنتهي عقوبة الإعدام بسلب حياة الشخص، بل تمتد إلى عائلته. فعدم إخطارها بموعد التنفيذ يحرمها من الزيارة الأخيرة والوداع، بينما يمنعها إخفاء الجثمان من إقامة مراسم الدفن والحداد وفقاً لمعتقداتها الدينية وتقاليدها الثقافية.
وقد رصدت المنظمة أن حجب الجثمان ترافق، في بعض القضايا، مع ممارسات فاقمت معاناة ذوي المُعدَمين وحرمتهم حتى من أبسط أشكال الحداد. ففي قضية Abbas Al-Hassan، لم تكتفِ السلطات برفض إعادة جثمانه، بل مارست ضغوطاً وتهديدات لمنع المطالبة به، كما حالت دون إقامة مراسم العزاء والتعبير العلني عن الحزن.
وفي قضية مصطفى الدرويش، نُفّذ حكم الإعدام بصورة مفاجئة، فيما كان ذووه ينتظرون اتصاله الأسبوعي المعتاد، من دون أن تتاح لهم فرصة الوداع. أما خبر إعدام عبد الله الدرازي، فقد ظهر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يعرف به ذووه. وفي قضية سعود الفرج، نُفّذ الحكم بينما كان الاعتقاد لدى ذويه أن القضية لا تزال في إحدى مراحل الاستئناف. وفي جميع هذه الحالات، لم تُعَد الجثامين، وحُرم ذوو المُعدَمين من دفن أحبائهم وإقامة مراسم الوداع والحداد وفقاً لمعتقداتهم وتقاليدهم.
أعدمت السعودية، منذ بداية عام 2026، ما لا يقل عن 20 إثيوبياً في قضايا مخدرات غير مميتة، وفق رصد المنظمة. لم تتلقَّ عائلات معظمهم إخطاراً مسبقاً، ولم تُمنح فرصة الوداع، فيما بقي مصير جثامينهم وأماكن دفنها مجهولاً.
وفي شهادات أخرى، قال أقارب لإثيوبيين محكومين بالإعدام إنهم لم يعرفوا حتى باعتقال أحبائهم إلا بعد أسابيع، ومن خلال تناقل الأخبار أو اتصالات أفراد من المجتمع، وليس من السلطات السعودية أو الإثيوبية، وبعد الإعدام اتصل أحد زملاء أبنائهم من الزنزانة لإبلاغهم.
في 12 مارس 2023، أعدمت السعودية المواطن الأردني حسين أبو الخير، وهو أب لثمانية أبناء، بعد إدانته في قضية مخدرات غير مميتة، إثر محاكمة غير عادلة واستناداً إلى اعتراف قال إنه انتُزع منه تحت التعذيب. لم تُخطر السلطات ذويه بقرب تنفيذ الحكم، ولم تسمح لهم بوداعه. ورغم التدخلات الدولية التي اعتبرت احتجازه وحكم إعدامه تعسفيين، نُفّذ الحكم وبقي جثمانه محجوباً عن أسرته.
وفي 28 فبراير 2024، أعدمت السلطات السعودية المواطن المصري عصام الشاذلي، بعد يوم واحد فقط من رفض المحكمة العليا طلب الالتماس المقدم في قضيته. نُفّذ الحكم بهذه السرعة من دون إتاحة وقت فعلي لاتخاذ أي خطوات قانونية إضافية أو تمكين ذويه من الاستعداد أو الوداع، وبقي جثمانه محجوباً عنهم.
إضافة إلى ذلك، رصدت المنظمة حالات لمواطنين باكستانيين لم تتلقَّ عائلاتهم إخطاراً مسبقاً بتنفيذ الأحكام، ولم تُبلّغ بمكان الدفن أو تُمنح فرصة للمطالبة بالجثامين. وفي إحدى الحالات، عندما طلبت العائلة المساعدة من السفارة الباكستانية، قيل لها، بحسب شهادتها، أن “تنسى الأمر”.
Saudi Law
تنص المادة الثالثة والستون بعد المائة من اللائحة التنفيذية لنظام الإجراءات الجزائية في السعودية على أن “تقوم الجهة المختصة، بعد تنفيذ عقوبة القتل أو الرجم، بتجهيز الميت ودفنه.”
وعُدّلت الفقرة الثالثة بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 727 وتاريخ 16/11/1441هـ (7 يوليو 2020)، بحيث أصبح من الجائز للجهة المختصة، إذا كان الشخص الذي نُفذ فيه الحكم غير سعودي، تسليم جثمانه إلى سفارة بلاده بناءً على طلبها، لترحيله على نفقة السفارة.
يضع هذا النص تجهيز الجثمان ودفنه تحت سيطرة السلطات، ولا يقرّ حقاً واضحاً وتلقائياً للعائلة في استعادته. أما تسليم جثمان الأجنبي إلى سفارة بلاده، فيبقى أمراً جوازياً يخضع لتقدير الجهة المختصة.
القانون الدولي
تربط الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري مكافحة الاختفاء بحق العائلات في معرفة الحقيقة، ولا تعتبر وفاة الشخص سبباً لانتهاء مسؤولية الدولة.
تنص المادة 15 على تعاون الدول في البحث عن المختفين وتحديد أماكنهم، وفي حال وفاتهم، استخراج رفاتهم والتعرّف إلى هوياتهم وإعادتها إلى ذويهم.
وتلزم المادة 17 الدول بإعداد سجلات رسمية محدّثة عن الأشخاص المحرومين من حريتهم. وفي حال وفاة الشخص أثناء احتجازه، يجب أن تتضمن السجلات ظروف الوفاة وسببها والجهة التي نُقل إليها رفاته.
وتنص المادة 24، الفقرة 3 على اتخاذ التدابير المناسبة للبحث عن الأشخاص المختفين وتحديد أماكنهم. وفي حال وفاتهم، يجب تحديد مكان رفاتهم واحترامها وإعادتها إلى ذويهم.
تؤكد هذه المواد أن إبلاغ العائلة بوفاة الشخص لا يكفي إذا استمرت السلطات في إخفاء ظروف موته ومكان جثمانه.
ويرتبط الحق في دفن الموتى والحداد عليهم أيضاً بالحقوق المحمية بموجب المادتين 18 و27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بما يشمل حرية الدين والمعتقد والحق في المشاركة في الحياة الثقافية.
International Standings
في 14 مارس 2022، أدانت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت الإعدام الجماعي لـ81 شخصاً في السعودية، وشددت على أن عدم تزويد الأقارب بالمعلومات المتعلقة بظروف تنفيذ أحكام الإعدام قد يرقى إلى التعذيب وسوء المعاملة، كما دعت السلطات إلى إعادة جثامين الذين أُعدموا إلى عائلاتهم.
وفي رسالة أُرسلت إلى السعودية في 16 فبراير 2023، أكد خبراء في الأمم المتحدة أن الكرب والضيق النفسي الحاد الناتجين عن ظروف الإعدام لا ينبغي أن يتفاقما بسبب غياب المعلومات عن مكان الجثمان. واعتبروا أن إلحاق هذا الألم الإضافي بعائلات الذين أُعدموا غير مبرر ولا يخدم أي غرض مشروع.
ودعوا السعودية إلى إعادة جثامين جميع الأشخاص الذين أُعدموا إلى عائلاتهم من دون تأخير، وتزويد الأقارب بمعلومات رسمية شاملة عن عمليات الإعدام.
وفي رسالة أممية أخرى في يونيو 2024، أعرب خبراء الأمم المتحدة، بمن فيهم الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري، عن قلقهم من الإعدامات السرية وعدم إعادة الجثامين.
أكد الخبراء أنه لا توجد مصلحة مشروعة تبرر إبقاء المحكومين وعائلاتهم في الظلام بشأن مصيرهم، وأن عدم إخطارهم مسبقاً بموعد التنفيذ انتهاك واضح لحقوق الإنسان. كما اعتبروا أن سرية الإعدام ورفض تسليم الرفات من أكثر جوانب عقوبة الإعدام قسوةً، وقد تشكّلان معاملة لاإنسانية أو مهينة أو ترقى إلى التعذيب.
ردّت السعودية على الانتقادات المتعلقة بالجثامين بالقول إن أجساد الذين تُنفذ بحقهم أحكام الإعدام تُجهز وتُدفن وفقاً للأنظمة والإجراءات المعمول بها في المملكة. إلا أن هذا الرد لا يوضح أماكن دفن الجثامين، ولا يبيّن ما إذا أُبلغت العائلات بها، ولا يشرح أسباب رفض إعادة الرفات أو الآلية التي يمكن للأسر استخدامها للطعن في هذا الرفض. كما أن دفن الجثمان وفق الإجراءات المحلية لا يلغي حق العائلة في معرفة مكانه واستعادته.
في الذكرى العشرين لاعتماد الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، تكشف ممارسات السعودية أن الاختفاء لا يرتبط دائماً بمصير شخص حي مجهول المكان، بل قد تستمر آثاره، وفي بعض الحالات طبيعته المستمرة، بعد وفاة الشخص، عندما ترفض الدولة الكشف الكامل عن ظروف وفاته ومكان رفاته.
ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن الإعلان عن تنفيذ حكم الإعدام لا ينهي مسؤولية الدولة، ولا يمنحها حق إخفاء الرفات. فمعرفة الحقيقة، واستعادة الجثمان، ودفن الموتى بكرامة، والحداد عليهم، حقوق أساسية وليست امتيازات تمنحها السلطات وفقاً لرغبتها.
