الحجب الرقمي كامتداد لقمع حرية التعبير في السعودية: استهداف المحتوى الحقوقي والسياسي عبر المنصات العالمية

صعّدت المملكة العربية السعودية خلال عام 2026 جهودها الهادفة إلى تقييد الوصول إلى المحتوى الحقوقي والسياسي عبر منصات التواصل الاجتماعي العالمية، مستخدمةً في ذلك الأطر القانونية والتنظيمية المحلية للضغط على شركات التكنولوجيا وحملها على حجب أو تقييد حسابات تعود لمدافعين عن حقوق الإنسان ومنظمات حقوقية ومعارضين سعوديين.

وشملت هذه الإجراءات حسابات ومنصات تنشر محتوى يتعلق بحقوق الإنسان وعقوبة الإعدام والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة، ما أدى إلى الحد من قدرة المستخدمين داخل السعودية على الوصول إلى المعلومات المستقلة والناقدة.

وتثير هذه الممارسات مخاوف جدية بشأن حرية الرأي والتعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، كما تطرح تساؤلات حول مدى التزام شركات التكنولوجيا بمسؤولياتها في احترام حقوق الإنسان عند التعامل مع طلبات صادرة عن حكومة تمتلك سجلاً موثقاً في ملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السلميين.

من إغلاق المجال المدني في الداخل إلى استهدافه في الخارج

تأتي محاولات حجب المحتوى الحقوقي والسياسي في سياق أوسع من تفكيك المجتمع المدني المستقل داخل السعودية. فقد أدت سنوات من الاعتقالات والمحاكمات وأحكام السجن الطويلة وحظر السفر وإغلاق المساحات المستقلة إلى تقليص قدرة المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء على العمل من داخل البلاد، ودفع عدد متزايد منهم إلى مواصلة نشاطهم من الخارج.

ومع انتقال جزء كبير من المجتمع المدني السعودي المستقل إلى المنفى، امتدت أساليب استهدافه إلى خارج الحدود. ولم يعد الاستهداف مقتصراً على الملاحقات القضائية داخل السعودية، بل شمل المراقبة والتهديد والترهيب والضغط على أفراد العائلات ومحاولات اختراق الأجهزة والحسابات، فضلاً عن الاعتداءات الخطيرة التي بلغ أقصاها قتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول.

وفي هذا السياق، يشكل الضغط على منصات التكنولوجيا لحجب حسابات المدافعين والمنظمات امتداداً رقمياً للقمع العابر للحدود. ورغم اختلاف الحجب الجغرافي عن الاعتداءات الجسدية من حيث طبيعته وخطورته، فإن هذه الأدوات تلتقي في هدف واحد: الحد من قدرة المجتمع المدني المستقل على الوصول إلى الجمهور وتوثيق الانتهاكات. ويأتي هذا التصعيد في ظل تراجع حدة الضغوط الدولية التي أعقبت قتل جمال خاشقجي.

شركة ميتا (فيسبوك وإنستغرام)

اعتباراً من 30 أبريل 2026، فرضت شركة ميتا قيوداً جغرافية (Geo-blocking) على عدد من الحسابات والمنظمات الحقوقية المعنية بالشأن السعودي، بحيث أصبحت غير متاحة للمستخدمين داخل السعودية.

وشملت القيود:

  • منظمة القسط لحقوق الإنسان.
  • منصة الديوان الديمقراطي.
  • الباحث السعودي عبد الله العودة.
  • المدافع عن حقوق الإنسان يحيى عسيري.
  • حسابات إضافية لناشطين سعوديين مقيمين في أوروبا وأمريكا الشمالية.

كما أفادت اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط (ACMER) بأن ما لا يقل عن سبعة حسابات كانت قد تعرضت للحجب داخل السعودية بحلول نهاية أبريل 2026، من بينها حسابات لمواطنين أمريكيين وأشخاص مقيمين في أوروبا.

حجم القيود

تُظهر بيانات الشفافية الخاصة بميتا أن السلطات السعودية طلبت خلال أبريل 2026 فرض قيود على 144 حساباً وصفحة وملفاً شخصياً على منصتي فيسبوك وإنستغرام.

واستجابت الشركة لعدد كبير من هذه الطلبات، حيث فرضت قيوداً على 108 عناصر على المنصتين.

كما تشير البيانات المتاحة إلى أن أكثر من 100 صفحة وحساب تعرضت للتقييد منذ مارس 2026، ما يمثل إحدى أكبر موجات الحجب المرتبطة بالمحتوى الحقوقي والسياسي السعودي خلال السنوات الأخيرة.

المبررات القانونية

أبلغت شركة ميتا أصحاب الحسابات المتضررة بأن القيود فُرضت استجابةً لـ: متطلب قانوني محلي، أو طلب من الحكومة.

وأوضحت تقارير الشفافية الخاصة بالشركة أن الطلبات استندت إلى أحكام واردة في نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.

كما أشارت الشركة إلى أن بعض المحتوى موضوع الطلبات يتعلق بما وصفته بـ”النزاعات الجيوسياسية الإقليمية والتطورات الأمنية”.

وذكرت ميتا، في ردها أو إشعاراتها لأصحاب الحسابات، أنها أجرت تقييماً قانونياً وحقوقياً قبل تنفيذ القيود، وأنها أخذت في الاعتبار الآثار المتعلقة بحقوق الإنسان عند دراسة الطلبات الحكومية.

وتثير الإحالة إلى نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي مخاوف حقوقية خاصة، نظراً إلى أن عدداً من مواده، ولا سيما المادة السادسة، صيغت بعبارات فضفاضة وغير محددة مثل “المساس بالنظام العام” و”القيم الدينية” و”الآداب العامة”. وقد استخدمت هذه النصوص على مدى سنوات لتجريم التعبير السلمي والنشاط الحقوقي والعمل الإعلامي المستقل، بما في ذلك ملاحقة مدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين سياسيين وصحفيين.

غوغل ويوتيوب

تظهر تقارير الشفافية الخاصة بغوغل ويوتيوب أن الشركة تتلقى بصورة منتظمة طلبات حكومية لإزالة المحتوى أو تقييده استناداً إلى القوانين المحلية في عدد من الدول، بما في ذلك السعودية.

وخلال عام 2026، ظهرت مؤشرات على استخدام آليات الحجب الجغرافي على يوتيوب استجابةً لطلبات أو شكاوى قانونية مقدمة من جهات حكومية سعودية.

ومن بين الأمثلة الموثقة، تلقي القائمين على قناة “إذاعة 98” إشعاراً من يوتيوب يفيد بأن المنصة تلقت “شكوى قانونية من جهة حكومية”، وبعد مراجعة المحتوى تقرر حجبه داخل السعودية مع بقائه متاحاً خارجها.

وأوضح الإشعار أن الإجراء اتخذ استجابةً لمتطلبات قانونية محلية، وأن المحتوى أصبح غير متاح للمستخدمين داخل السعودية فقط، وهو ما يكشف عن استخدام آليات الحجب الجغرافي للحد من وصول المستخدمين داخل السعودية إلى محتوى إعلامي أو سياسي أو حقوقي دون الحاجة إلى حذفه على المستوى العالمي. كما تكشف هذه الممارسة عن بعدٍ عابر للحدود في سياسات تقييد حرية التعبير، إذ تستهدف محتوى ومنصات تعمل خارج السعودية وتخضع لحماية قانونية في دول أخرى، مع السعي في الوقت نفسه  لمنع وصول محتواها إلى الجمهور داخل البلاد.

منصة X

تلقى عدد من النشطاء والمعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان خلال عام 2026 إشعارات من منصة X تفيد بتلقيها طلبات رسمية من جهات سعودية لحجب حساباتهم داخل السعودية.

وبحسب متابعة المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فإن معظم الحسابات المستهدفة تنشر محتوى يتعلق بالأوضاع الحقوقية والسياسية في السعودية.

ومن بين الحسابات التي تلقت هذه الإشعارات: علي الدبيسي، مدير المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، ثامر الزهراني، سلطان العبدلي، علي هاشم، عبد الله الجريوي، رابح العنزي، يحيى عسيري، مهند الصبياني، عبد الله العودة، حامد الغامدي، أحمد حكمي، عزيز الشمري، أبو تيم وصبا، ناصر القرني، عمر عبد العزيز، سالم القحطاني، غانم الدوسري، سعيد بن ناصر الغامدي.

كما ظهر موقع إلكتروني يعرّف نفسه باسم «مرصد» و«مشروع مجتمعي»، ويقول إن الاقتراحات والأصوات التي يجمعها تُرفع إلى الجهات المختصة، من دون أن يوضح بصورة شفافة الجهة المسؤولة عن إدارته أو طبيعة علاقته الرسمية بالسلطات.

ويكشف الموقع عن خطاب يتجاوز مجرد تنفيذ قرارات الحجب إلى تقديمها باعتبارها «نجاحات» للهيئة العامة لتنظيم الإعلام والنيابة العامة السعودية. إذ يعرض قوائم تضم حسابات معارضة وحقوقية حُجبت داخل البلاد، ويدعو المستخدمين إلى «أن يكونوا جزءاً من هذا النجاح» عبر اقتراح حسابات إضافية للحجب والتصويت عليها، تحت عناوين فضفاضة من قبيل «صون الذوق العام والقيم”.

وتثير هذه الممارسة مخاوف خاصة لأن الحسابات المدرجة تشمل منظمات حقوقية ومدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين وصحفيين ينشرون معلومات وانتقادات تتعلق بالسياسات والانتهاكات في السعودية. وبذلك، يُعاد تقديم قمع الخطاب الحقوقي والسياسي باعتباره حمايةً للقيم العامة، بما يساهم في توسيع الرقابة وتعزيز بيئة من الوشاية الرقمية والرقابة المجتمعية على التعبير السلمي.

الأساس القانوني للحجب

تداول مستخدمون وثيقة تحمل شعار النيابة العامة السعودية، استند القرار الوارد فيها إلى عدد من الأنظمة، بينها نظام النيابة العامة، ونظام الإجراءات الجزائية، ونظام مكافحة جرائم المعلوماتية، كما أشار إلى خطاب صادر عن الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بشأن قيام الحسابات المشار إليها بنشر محتوى اعتبر مخالفاً لأنظمة السعودية.

ووفق القرار المتداول، تضمنت التدابير المطلوبة:

  1. حجب الحسابات الواردة في القائمة من داخل السعودية.
  2. إلزام منصة X بتنفيذ القرار خلال 48 ساعة.
  3. تكليف هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية بمتابعة التنفيذ.
  4. اعتبار القرار نهائياً وغير قابل للتظلم أو الاعتراض.

واستند القرار بصورة أساسية إلى المادة السادسة من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية، والتي تجرّم:

“إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة أو إعداده أو إرساله أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي.”

وقد تعرضت هذه المادة لانتقادات حقوقية متكررة بسبب صياغتها الفضفاضة واستخدامها لمصطلحات غير محددة مثل “النظام العام” و”القيم الدينية” و”الآداب العامة”، بما يسمح بتوسيع نطاق التجريم ليشمل الخطاب السلمي والنشاط الحقوقي والعمل الإعلامي والتعبير السياسي. لاحقا وفي 20 يوليو أكد مستخدمون بينهم الدبيسي أن منصة X اتخذت إجراءات بحق حساباتهم وحجبتها عن السعودية.

الإطار الحقوقي الدولي

تكفل المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق في حرية الرأي والتعبير. كما تشكل المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، رغم أن السعودية ليست طرفاً فيه، معياراً دولياً أساسياً لحماية حرية التعبير والحق في التماس المعلومات وتلقيها ونقلها. وأكدت لجنة حقوق الإنسان، في تعليقها العام رقم 34، أن هذه الحماية تشمل وسائل التعبير القائمة على الإنترنت، وأن أي قيود يجب أن تستوفي شروط الشرعية والضرورة والتناسب، وألا تستخدم لقمع الخطاب السلمي أو النشاط الحقوقي والسياسي.

ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن استخدام الأطر القانونية المحلية لتقييد المحتوى الحقوقي والسياسي، بما في ذلك من خلال الطلبات الموجهة إلى شركات التكنولوجيا، يمثل قيداً غير مشروع على حرية الرأي والتعبير ويهدد الحق في الوصول إلى المعلومات.

وتكشف الوقائع عن نمط متصاعد من محاولات السعودية تقييد الوصول إلى المحتوى الحقوقي والسياسي عبر المنصات الرقمية العالمية، سواء من خلال طلبات الحجب الجغرافي أو من خلال الاستناد إلى نصوص قانونية فضفاضة، وعلى رأسها نظام مكافحة جرائم المعلوماتية. ولا يمكن فصل هذه الممارسات عن النمط الأوسع للقمع العابر للحدود، الذي يهدف إلى ملاحقة المجتمع المدني السعودي حتى بعد دفعه إلى المنفى.

وتوضح الحالات الموثقة المتعلقة بمنصات ميتا ويوتيوب وX أن المستهدفين بهذه الإجراءات هم في الغالب مدافعون عن حقوق الإنسان ومنظمات حقوقية ومعارضون سلميون ينشرون معلومات تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان.

وترى المنظمة الأوروبية أن هذه الممارسات تمثل امتداداً للقيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير داخل البلاد إلى الفضاء الرقمي، وتساهم في حرمان الجمهور من الوصول إلى المعلومات المستقلة والناقدة. كما تؤكد أن استجابة شركات التكنولوجيا لطلبات الحجب الصادرة عن السلطات السعودية، من دون إجراء تقييم مستقل وشفاف ومتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، قد يرقى إلى مساهمة هذه الشركات في تقييد الخطاب السلمي وتقويض الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

EN