هيئة حقوق الإنسان: 20 عامًا من تلميع سجل السعودية

رؤساء هيئة حقوق الإنسان منذ تأسيسها في العام 2005

للاطلاع على التقرير كاملًا

عام 2023، أصدرت كل من المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان والقسط ومينا لحقوق الإنسان تقريرا مشتركًا كشف دور هيئة حقوق الإنسان في تلميع سجل السعودية الحقوقي وتجاهل الانتهاكات.
في عام 2025، تنشر المنظمات تقريرا يُكمل ذاك العمل، مستندًا إلى أدلة جديدة تُظهر استمرار الهيئة في لعب دور الناطق باسم الحكومة بدلًا من مؤسسة وطنية مستقلة، مع غياب أي خطوات إصلاحية حقيقية.

الهيئة باختصار

تأسست هيئة حقوق الإنسان عام 2005 بمرسوم ملكي لتكون الجهة الرسمية المعنية بالترويج لحقوق الإنسان. ورغم تقديم نفسها كمؤسسة مستقلة، إلا أن رئاستها تُعيّن بقرار ملكي، ولا تتمتع باستقلال فعلي أو اعتماد دولي وفق مبادئ باريس.
لم تحقق في الانتهاكات الجسيمة، ولم تُنصف الضحايا، بل كررت الرواية الرسمية وسعت عبر شراكات دولية إلى تحسين صورة الدولة.

حقوق الإنسان 2024–2025 وصورة الهيئة عنه

خلال العامين الماضيين، استمرت الانتهاكات بشكل واسع، فيما قدمت الهيئة صورة مجتزأة ومواربة عنها. فمن جهة، أطلقت السلطات سراح بعض المعتقلين البارزين مثل محمد القحطاني وسلمى الشهاب، غير أن الإفراجات لم تكن كاملة الحقوق، إذ رافقتها قيود صارمة كمنع السفر والمراقبة المستمرة والتهديد بإعادة الاعتقال. وفي المقابل، بقي كثيرون خلف القضبان، مثل منهل العتيبي التي حكم عليها بالسجن بسبب تعبيرها السلمي على وسائل التواصل الاجتماعي. كما واصلت السلطات استخدام قوانين فضفاضة مثل نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية وقانون الإرهاب لتجريم الانتقاد والمعارضة السلمية.

أما في ما يتعلق بعقوبة الإعدام، فقد سجلت السعودية ارتفاعًا غير مسبوق، حيث شهد عام 2024 تنفيذ 345 حكمًا، من بينها أحكام في جرائم غير عنيفة وقضايا مخدرات، وكان معظم الضحايا من الأجانب. وحتى أغسطس 2025 وصل عدد الإعدامات إلى 269، بينهم قاصرون وأفراد من الأقلية الشيعية. ورغم الوعود الرسمية السابقة بتقييد استخدام هذه العقوبة، استمر تنفيذها على نطاق واسع، ما يعكس تناقضًا صارخًا بين الخطاب والممارسة.

الهيئة كصوت الحكومة في الأمم المتحدة

خلال الاستعراض الدوري الشامل في جنيف عام 2024، ترأست الهيئة وفد السعودية، وهو ما يتعارض مع دور المؤسسات الوطنية المستقلة التي يفترض أن تقدم تقارير موازية لا أن تكون جزءًا من الوفد الرسمي. ركزت الهيئة في مداخلاتها على إبراز إصلاحات شكلية مثل رفع الحظر عن قيادة النساء أو بعض التشريعات الجزئية، لكنها تجاهلت الاعتقالات التعسفية والقيود على المدافعين عن حقوق الإنسان. كما رفضت توصيات أساسية تتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام أو حماية النشطاء، ووصفتها بأنها مجرد «ادعاءات لا أساس لها».
الأمر ذاته تكرر أمام لجنة سيداو ولجنة القضاء على التمييز العنصري، حيث تبنّت الهيئة خطابًا تبريريًا يُظهر تقدمًا وهميًا، بينما تستمر النساء في مواجهة نظام الولاية والتمييز، وتتعرض الأقلية الشيعية وقبيلة الحويطات للقمع والتهميش دون أي اعتراف أو معالجة من جانب الهيئة.

انتقائية في تنفيذ الاختصاصات

على الرغم من أن النظام الأساسي يمنح الهيئة صلاحيات لمراجعة القوانين وزيارة السجون وتلقي الشكاوى، إلا أن ممارستها لهذه الصلاحيات بقيت شكلية وانتقائية. تقاريرها السنوية تركز على أرقام الموظفين والأنشطة التدريبية وتتجاهل الانتهاكات الجسيمة مثل الاعتقال التعسفي أو التعذيب. آلية الشكاوى التي تعلن عنها غير فعالة، إذ وثقت عائلات معتقلين محاولات للتواصل معها انتهت بالتجاهل أو حتى التضليل. أما زيارات أماكن الاحتجاز فلم تؤدِّ إلى أي حماية فعلية، حيث واصلت الهيئة إنكار الانتهاكات حتى في قضايا القاصرين المحكوم عليهم بالإعدام.

الانخراط الدولي كأداة شرعنة

استثمرت الهيئة بشكل كبير في أنشطتها مع شركاء دوليين، مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وقدمت نفسها كواجهة رسمية في الحوارات ومذكرات التفاهم. لكن هذه الأنشطة لم تؤد إلى أي تحسن ملموس على أرض الواقع، بل منحت الهيئة غطاءً إضافيًا لتقديم صورة مضللة عن التزام السعودية بالمعايير الدولية، بينما الواقع يشهد مزيدًا من الانتهاكات.

بعد مرور عشرين عامًا على تأسيسها، يتضح أن هيئة حقوق الإنسان لم تقم بدورها كمؤسسة وطنية مستقلة، بل تحولت إلى أداة بيد السلطة لتلميع صورتها في الخارج والتغطية على الانتهاكات في الداخل. استمرار الاعتقالات التعسفية، الارتفاع القياسي في الإعدامات، قمع النساء والأقليات، وصمت الهيئة وتواطؤها في المحافل الدولية، كلها شواهد على الحاجة الملحة إلى إصلاح جذري يضمن وجود آلية حقيقية للمساءلة، بعيدًا عن الهيئة بشكلها الحالي.

AR