
تؤكد معلومات المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن السعودية صعّدت في استهداف المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية منذ اندلاع الحرب في مارس 2026، عبر حملات اعتقال واستدعاءات ومنع سفر وإعادة تفعيل الحواجز الأمنية، في نمط يعيد إلى الواجهة استخدام التوترات الإقليمية لتبرير التوسع في الإجراءات الأمنية والتضييق على الحريات الدينية والمدنية.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد القيود الأمنية والاعتقالات في عدد من دول الخليج، واجتماع طارئ لوزراء داخلية دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، أكّدوا خلاله أن “أمن دول مجلس التعاون كل لا يتجزأ”، وبحثوا الأوضاع الأمنية في المنطقة وسبل تعزيز التنسيق الأمني الخليجي المشترك. هذا الخطاب الأمني، في ظل التوترات الإقليمية، يثير القلق من أن ينعكس مزيدًا من التضييق على المواطنين والمقيمين.
اعتقالات واستدعاءات وحواجز
على الرغم من سياسات الترهيب والتخويف وفرض الصمت على المجتمع المدني والمدافعين والمدافعات، ومنع المعلومات من الوصول من الداخل في ظل بنية من القمع والترهيب، رصدت المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان منذ بداية الحرب في مارس 2026، عشرات الاعتقالات. كما سُجلت استدعاءات لمعتقلين سابقين، وقيود على ناشطين اجتماعيين يستخدمون منصات مثل “تيك توك” و“سناب”، بحجة ممارسة نشاط إعلامي “من دون ترخيص”. بالتوازي، أشارت المعلومات إلى عودة الحواجز الأمنية إلى شوارع القطيف، ورُصدت حواجز دائمة ومؤقتة في عدد من الطرق والمحاور.
إضافة إلى ذلك، رصدت المنظمة اعتقال 8 رجال دين على الأقل من المنطقة الشرقية، بينهم السيد حسن اليوسف، الشيخ عبد الجليل السمين، الشيخ حسن الحداد، الشيخ حسين النشمي، الشيخ سامي الإبراهيم، السيد محمد باقر الناصر. وبحسب المعلومات المتوفرة، لا يُعرف عنهم أي نشاط سياسي، والمشترك الوحيد هو توجههم الديني الذي تعتبره السلطات السعودية قريبًا أو متأثرًا بالمدرسة الدينية في إيران.
وبحسب المعلومات المتاحة، وضمن نمط متكرر في السعودية يتسم بالغموض وانعدام الشفافية، لم يُبلّغ المعتقلون أو عائلاتهم بأسباب الاعتقال أو التهم الموجهة إليهم. كما حُرموا من التواصل مع ذويهم أو مع محامين، بما يشكل انتهاكًا لحقوقهم الأساسية ويقوّض حقهم في المحاكمة العادلة والضمانات القانونية الواجبة.
ويشكّل عدم إبلاغ المعتقلين بأسباب توقيفهم، وحرمانهم من التواصل مع عائلاتهم ومحامين، وغياب المعلومات حول وضعهم القانوني، انتهاكًا للحق في الحرية والأمان الشخصي وضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق العربي لحقوق الإنسان، كما يثير مخاوف من التعرض للاعتقال التعسفي أو الإخفاء القسري.
نمط متكرر
تشير المنظمة الأوروبية السعودية إلى أنها ليست هذه المرة الأولى التي تنعكس فيها خلافات السعودية الإقليمية على الداخل. ففي عام 2013، وبعد توترات سياسية مع إيران، اعتقلت السلطات 32 شخصًا بتهم التجسس لصالح إيران، ثم أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة لاحقًا أحكامًا بالإعدام بحق 15 منهم وتنفيذها، بعد محاكمات افتقرت لشروط العدالة. من بين الذين تم إعدامهم رجال دين مثل الشيخ محمد عطية. ولا تعد هذه المرة الأولى التي يستهدف فيها رجال دين من الطائفة الشيعية، إذ سبق أن أعدمت السلطات رجال دين بارزين، بينهم الشيخ نمر باقر النمر، بعد محاكمة شابتها انتهاكات واسعة لمعايير المحاكمة العادلة.
ويثير استهداف رجال دين على خلفية الانتماء أو المرجعية الدينية مخاوف جدية بشأن انتهاك الحق في حرية الدين والمعتقد وعدم التمييز، المكفولين بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما تكرر النمط نفسه في سبتمبر 2017، ومع أزمة قطر، شنت السلطات حملة اعتقالات طالت دعاة وأكاديميين وكتابًا وصحفيين ورجال دين ورجال أعمال، بينهم سلمان العودة وعوض القرني وحسن فرحان المالكي وعصام الزامل وعبدالله المالكي. حينها أعلنت رئاسة أمن الدولة أنها رصدت “أنشطة استخباراتية” لصالح جهات خارجية، واستخدمت وسائل الإعلام الرسمية اتهامات مثل التواصل مع جهات خارجية والمساس باللحمة الوطنية لتبرير الاعتقالات. و على الرغم من انتهاء الأزمة الخليجية والمصالحة لاحقًا، لا تزال النيابة العامة تطالب بإعدام عدد منهم.
وكانت المنظمة الأوروبية السعودية قد رصدت تحولًا تدريجيًا في استخدام التهم ذات البعد الأمني، من تهم التجسس سابقًا إلى تهمة لتهمة الخيانة العظمى ضد أفراد على خلفية علاقات مع دول أخرى. ففي أكتوبر 2024 نفذت السعودية حكم الإعدام بحق الصحفي تركي الجاسر بتهمة الخيانة، وسط معلومات تفيد بأن القضية ارتبطت بعلاقاته أو مواقفه تجاه دولة كانت على خلاف مع السعودية.
هذه السوابق تظهر أن السعودية غالبًا ما تستخدم لحظات التصعيد الإقليمي لتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتجريم الروابط الاجتماعية أو الدينية أو الإعلامية باعتبارها تهديدًا للأمن الوطني، إضافة إلى التضييق على الحريات الدينية الذي يبدو أوضح مع التوترات الأمنية.
وتشير المنظمة إلى أنه في ظل سياسة فرض الصمت وتكميم الأفواه، من الصعب تتبع كافة الاعتقالات والاستدعاءات، إلا أن النمط المتبع في ظل الأوضاع الأمنية المعقدة، والانتهاكات المتزايدة التي تشهدها دول الخليج، يثير مخاوف جدية من استخدام التوترات الإقليمية كغطاء لتوسيع القمع الداخلي وتشديد القبضة الأمنية.
