خبراء الأمم المتحدة: السعودية تتحمّل مسؤولية تمويل انتهاكات حقوقية وبيئية في شرق أفريقيا

في 3 يوليو 2025، وجه عدد من المقررين الخاصين وخبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان والبيئة رسالتين رسميتين بشأن مشروع خط أنابيب النفط الخام لشرق أفريقيا (EACOP) والمشاريع النفطية المرتبطة به في أوغندا وتنزانيا. وجهت الرسالة الأولى إلى محمد بن سليمان الجاسر، رئيس مجموعة البنك الإسلامي للتنمية، والثانية لـالمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص (ICD) التابعة للبنك، بالتالي فإن الرسالتين تتوجهان إلى المملكة العربية السعودية كحكومة، نظرًا لدورها المحوري كأكبر ممول للبنك ومقره الرئيسي، ولنفوذها المباشر على سياساته واتجاهاته.

البنك الإسلامي للتنمية يعد إحدى أبرز المؤسسات المالية المتعددة الأطراف في العالم الإسلامي، مقره جدة، وتخضع قراراته لنفوذ رسمي سعودي كبير. يتولى رئاسته منذ 2021 محمد بن سليمان الجاسر، وهو اقتصادي سعودي شغل سابقًا منصب وزير الاقتصاد والتخطيط ومحافظ مؤسسة النقد العربي السعودي. أما المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص (ICD) فهي الذراع التمويلية للبنك، والمتخصصة في تمويل المشاريع الخاصة.

الرسالتان تناولتا المخاطر البيئية والحقوقية للمشروع، وطلبتا توضيحات محددة من البنك الإسلامي للتنمية والمؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاصة حول مدى التزامهما بالمعايير الدولية.

المخاطر البيئية

المشروع يمتد لمسافة 1443 كيلومترًا من أوغندا إلى تنزانيا، ويتقاطع مع عدد من أكثر المناطق البيئية حساسية في أفريقيا. يمر بمحاذاة بحيرة فيكتوريا التي يعتمد عليها أكثر من أربعين مليون شخص، ويخترق منطقة بحيرة ألبرت التي توفر نحو 43% من إنتاج أوغندا من الأسماك. كما يعبر عبر محميات طبيعية وغابات محمية يبلغ طولها 295 كيلومترًا، من بينها محمية مورشيسون فولز الوطنية. الرسالتان تؤكدان أن المشروع يهدد هذه الموارد بالانقراض والتلوث النفطي، ويضاعف المخاطر على الأمن المائي والغذائي لملايين السكان. وإضافة لذلك، يمثل المشروع توسعًا ضخمًا في البنية التحتية للوقود الأحفوري، مما يسهم في زيادة الانبعاثات الكربونية ويقوض الجهود العالمية لمكافحة التغير المناخي.

الانتهاكات الحقوقية والاجتماعية

من أبرز الآثار الحقوقية التي أوردتها الرسالتان:

  • التهجير القسري: أكثر من 14 ألف أسرة معرضة لفقدان منازلها وأراضيها، مع احتمال أن يصل العدد إلى مئة ألف شخص.
  • التعويضات غير الكافية: المجتمعات المحلية لم تحصل على بدائل مناسبة، مما أدى إلى خسارة مصادر رزق أساسية كالزراعة والصيد.
  • انتهاك التراث الثقافي: مواقع دينية وثقافية، بينها مقابر وأضرحة تقليدية، معرضة للتدمير.
  • الأثر على الفئات الضعيفة: النساء والأطفال يتعرضون بشكل خاص للفقر والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إضافة إلى ارتفاع معدلات تسرب الأطفال من المدارس.
  • الصحة العامة: تلوث المياه والتربة يهدد بتفشي أمراض مثل الكوليرا والتيفوئيد، بينما الغبار والانبعاثات الكيميائية تسبب أمراضًا تنفسية خطيرة.

قمع المدافعين عن حقوق الإنسان

الرسالتان وثقتا أيضًا القمع الواسع ضد المدافعين عن البيئة وحقوق الإنسان الذين يعارضون المشروع في أوغندا. منذ عام 2022، سُجلت اعتقالات تعسفية بحق نشطاء وطلاب، واحتُجز بعضهم في ظروف سيئة وحُرموا من المحامين. السلطات الأوغندية لجأت إلى اتهامات ملفقة كـ “التحريض” و”التجمع غير القانوني”، وقمعت المظاهرات باستخدام القوة المفرطة، بما في ذلك الضرب والاحتجاز المطوّل. هذه الممارسات تكشف عن نمط واضح لتجريم المعارضة وتقييد المجتمع المدني ومنع المتضررين من الدفاع عن حقوقهم وبيئتهم.

بحسب المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال وحقوق الإنسان، فإن المؤسسات المالية ملزمة بتجنب التسبب أو المساهمة في الانتهاكات، وإجراء تقييم للعناية الواجبة قبل التمويل، وتوفير آليات فعالة للضحايا، واستخدام نفوذها لضمان التزام الشركاء بالمعايير الحقوقية والبيئية.

من هذا المنطلق، تتحمل مجموعة البنك الإسلامي للتنمية بقيادة محمد الجاسر مسؤولية سياسية ومؤسسية عليا، فيما تتحمل المؤسسة الإسلامية لتنمية القطاع الخاص (ICD) مسؤولية مباشرة وعملية بصفتها الممول الفعلي للمشروع. وبما أن البنك يخضع لنفوذ سعودي مباشر، فإن الرسالتين تشكلان عمليًا مساءلة دولية للحكومة السعودية عن دورها في تمويل مشروع يقوّض حقوق الإنسان والبيئة.

ترى المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان أن الرسالتان تضعان البنك الإسلامي للتنمية وذراعه  التنفيذية، وبالتالي الحكومة السعودية، أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار البيئية والاجتماعية والحقوقية لمشروع خط أنابيب النفط في شرق أفريقيا. المشروع لا يهدد فقط موارد المياه والتنوع البيولوجي ويعمق أزمة المناخ، بل يفاقم الفقر والتهميش والتهجير القسري، ويقترن بقمع واسع للمجتمع المدني والمدافعين عن البيئة.

AR