حوكمة مكافحة الإرهاب

2 January، 2015

تشهد المملكة العربية السعودية إحتقانا متزايداً على جميع الأصعدة بسبب تحديات عديدة من أهمها حالياً مايعرف بالإرهاب والذي إنتشر بعد أحداث 11 سبتمبر من عام 2001 وأصبح اكثر ضراوة بعد عدة عمليات وقعت عام 2003 في الرياض وبعض مدن المملكة أي منذ أكثرمن خمسه عشر عاماً.
العديد من العمليات الإرهابية التي ندينها جميعنا وتضررنا منها جميعاً حصلت في عدة مدن سعودية ، إلا أنه وللأسف بعد مضي هذه الفترة الطويلة لم تنحسر غيمة الإرهاب بل زادت وأحرقت في إتونها الأخضر واليابس فلماذا ؟

وزارة الداخلية مهام وملفات كبيرة:

باتت الجهات المعنية بالأمن الداخلي والتابعة جميعها لوزارة الداخلية تزيد من نفقاتها لمواجهة هذه المخاطر ومن ثم أصبح ملف الإرهاب هو شغل الوزارة الأهم وبدأت تهمل بقية الملفات والخدمات المناطة بها وهي كثيرة ، كل ذلك نتيجة عيوب هيكلية وتضخم مهام الوزارة مما جعلها لاتستطيع أن تقوم بمهامها بكفاءة ، إن حِمل إدارة الحكم المحلي المتمثل في أمارات المناطق وحراسة الحدود المترامية الأطراف ، بالإضافة الي إمساكها بزمام النيابة العامة ممثلة في هيئة التحقيق والإدعاء العام وغيرها من الأجهزة كل ذلك يجعل هذه الوزارة ممسكة بكافة زمام السلطة التنفيذية بل وبعض من أهم الإختصاصات القضائية ، مما يستدعي أهمية سرعة هيكلة هذه الوزارة التي تغولت سلطتها في مقابل وزارات ومؤسسات الدولة الأخرى وهذا ليس مجال حديثنا في هذا المقال.

وزارة الداخلية والإرهاب:

تحت هذا التضخم وفي ظل هذه الظروف والتحديات أصبح لاصوت يعلوا لدي وزارة الداخلية على صوت معركتها ضد الإرهاب ، ولكن تحت هذه المكافحة بدأت الوزارة في إنتهاك واضح وجلي لحقوق الإنسان فبدأت تأخذ بالظنة وبدأت تعطل الأنظمة ولا تحترمها وبدأت في إسكات المدافعين عن حقوق الإنسان وإعتقالهم وبدأت السجون السياسية تكتظ وبدأت تحاكم أي اصوات او كتابات او حوارات بل وحتى تغريدات !! لا تتسق مع رؤي وطروحات وخط مسئوليها في بلد كبير مثل المملكة ، بل أنها أصبحت تضيق ذرعاً بمجرد النقد الهادف وتتهم أصحابه بتهم من مثل تعطيل التنمية – وكأن التنمية تكون في بناء المشاريع وناطحات السحاب فقط – دون الأخذ بأسباب التنمية الحضارية في الأخلاق والقيم والآداب والحوار الذي تتطلع اليه النفوس السوية والذي هو مجال التنمية الحقيقي والذي لايمكن أن يعيش الا في فضاء حر ، عضدته الشريعة وأقرته الشرائع والقوانين الدولية .

هل نجحت الداخلية في محاربة الإرهاب؟

المزعج والمريب في آن واحد أن تحديات ومخاطر الإرهاب مازالت في تصاعد وليس أقلها عمليات إغتيال الأجانب والتأجيج الطائفي مما أدي لقتل بعض أبناء البلد في حادثة “الدالوة” وتنامي المد التكفيري وظهور حركات مسلحة تقاتل في العراق والشام ومناطق أخرى متوترة وتهدد النظام في المملكة ، لذا فليس صعباً على أي متابع أن يثبت فشل أغلب برامج مكافحة الإرهاب التي تبنتها الوزارة وإن كان هناك بعض النجاحات المحدودة في بعض عملياتها الأمنية ، وللأسف فالوزارة وأجهزتها الأمنية تعمل دون شفافية تذكر في تعاملها مع هذه العمليات وأصحابها، فالمواطنون لا يعرفون من يقف ورائها بسبب إمتناع إحالتهم ومحاكمتهم أمام قضاء علني مستقل لكي يعرف الرأي العام ماذا يريد هؤلاء بالتحديد لكي يشارك الشعب ومؤسساته في مساعدة الجهة المختصة في معالجة وإجتثاث هذه الظاهرة.

مراجعة وضع الأجهزة المعنية بالإرهاب:

وزارة الداخلية هي من تخطط لإستراتيجيات مكافحة الإرهاب وتقوم الوزارة بدعم إستمرار مجلس وزراء الداخلية العرب لهذا الغرض بشكل أساسي ثم سيطرت بشكل مباشر عليه فأمين هذا المجلس يشغلة شخص سعودي منذ عام 2001 وحتى الأن وهوشخص مرشح من قبل وزارة الداخلية كما أن الرئيس الفخري هووزير الداخلية السعودي وعبأ التمويل الأكبر يقع علي السعودية أضف الي ذلك جامعة نايف للعلوم الأمنية والتي مقرها الرياض ويرأسها أحد مواطني دولة المقرأي الرياض حسب نظامها الأساسي وكافة من تولي رئاستها هم شخصيات أمنية مقربة من وزير الداخلية ، هذا يعني أن واضعي إستراتيجيات وخطط مكافحة الإرهاب هم شخصيات أمنية وخاضعة بشكل أو بآخر لوزارة الداخلية مما يجعل قراراتها ومخاوفها تحت تأثير العمل الأمني البحت ولايمكن بالتالي حوكمتها أو مراجعتها أو تقييمها .
كما يقع ضمن أجهزة الوزارة الحالية مركزمحمد بن نايف للمناصحة والرعاية فهل يعقل أن تكون الوزارة المعنية بالأمن ومكافحة الإرهاب ومن تقود عمليات الملاحقة لخصومها ممن تعتقدهم إرهابين أن تقوم بمناصحتهم ورعايتهم وهم يعتبرونها عدوهم وبعضهم يقوم بتكفير القائمين عليها في مثل كثير من حالات المتطرفين المسجلين لديها ،مثل هذا لايجب أن يكون ، ففي دولة القانون الحديثة هناك مؤسسات وهناك أجهزة مختصة بمثل مواضيع المجتمع فمكان مثل هذا المركز هو وزارة الشئون الإجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى وليس وزارة الداخلية .
يجب إشراك مؤسسات المجتمع المختلفة في مثل وضع إستراتيجيات مكافحة الإرهاب قبل الحلول الأمنية والتي يجب أن تكون الخط الثاني بعد (المجتمع) فوزارات المجتمع ومؤسساته المدنية المستقلة – محظورة من قبل الدولة للأسف – هي الخط الأمامي لمثل مكافحة الإرهاب .

مخاطر الوضع الحالي:

إن إنشغال كافة أجهزة وأمارات المناطق بالهاجس الأمني ومكافحة الإرهاب وإستمرار حالة الطوارئ الغير معلنة التي يذكرها وزير الداخلية في مجالسة الخاصة وتعطيل حقوق الإنسان وإسكات المدافعين عنها وعدم تطبيق معايير وضمانات المحاكمة العادلة للمتهمن في سياق مكافحة الإرهاب ، كل هذا لايجب أن يشغلنا عن الإلتفات للتنمية الحقيقية التي يجب أن تمارسها هذه الوزارة عبر خدمة المجتمع وتعميق حقوق الإنسان وتنفيس الإحتقان الحالي في المجتمع وإغلاق ملفات مزمنة مثل ملفات المعتقلين وتكدس السجون وملفات حقوق الإنسان ومنع قيادة المرأة من قبل الداخلية دون سند شرعي أو نظامي فضلا عن عشرات الملفات مثل التهجير القسري لأبناء الحد الجنوبي وملفات البدون وقمع ومنع المظاهرات السلمية وغيرها من الملفات.
كل هذه الأحمال المتراكمة لايمكن أن يتم معالجتها دون فصل مكافحة الإرهاب عن وزارة الداخلية حتى لاتختلط أوراق السياسة بالأمن ، إن بقاء هذه المهام تحت سلطتها سوف يجعل هذه الوزارة تستمر في تخبطها وإستمرارها في حمل الإثقال لوحدها معتمدة علي سلطة وفرة المال فقط وعبر إستتباع قوات خاصة ذات ولاء خاص لتمرير قرارات خاصة مثل مايسمي (صقور نايف) دون توزيع المهام وارجاعها الي مؤسسات الدولة المختلفة ومنها مؤسساته “المدنية” والتي تحظرها وتلاحق ناشطيها لكي تقوم هي وحدها وبطريقتها كي تعالج مثل هذه التحديات.
لكل ذلك يسهل تصديق القول عن وزارة الداخلية – وهي في حالة منهكة الآن ومفتقرة للجودة – انها مستفيدة من خلط الأوراق ويجعلها تخفي أموراً غير سليمة لاتريد لأحد أن يطلع عليها وذلك لحسابات ضيقة أو لسؤ في الإدارة على أحسن تقدير.

حوكمة مكافحة الإرهاب:

أنني هنا أدعو الي حوكمة مكافحة الإرهاب وذلك عبر إتخاذ إجراءات صارمة وقوية في سبيل مكافحة الإرهاب بطريقة صحيحة فوزارة الداخلية لايجب أن تكون لوحدها في هذا الميدان ، كما إن معالجاتها للإرهاب لم تكن شفافة وواضحة وإعتراها الكثير من الأخطاء وبعض أخطاءها كارثية والواقع يصدق ذلك .
جهاز مستقل
يجب أن يتم فصل وسلخ كافة الأجهزة المعنية بمكافحة الإرهاب من ملاك وزارة الداخلية لتكون تحت إدارة جهاز وطني مستقل يكون غرضه مكافحة الإرهاب ويكون مستقل تماماً عن وزارة الداخلية وذلك لمعالجة هذا المرض المستشري والمعطل للبلد لقرابة العقدين من الزمن دون نتيجة ، فيجب أن تضم له كافة القوات التي خصصت لمحاربة الإرهاب والتي مولتها الدولة من ميزانيتها لتكون نواة هذا الجهاز وأن يكون متخصص في معالجة هذا المرض بكفاءة وجدارة عبر تعاونه مع المجتمع والوزارات الأخرى بطريقة إحترافية وقانونية يتم فيها إحترام حقوق الإنسان وفي نفس الوقت يكون أكثر فاعلية ويمكن محاسبته وقياس نجاحاته لعدم وجود أغراض أخري لدي هذا الجهاز تشغله عن هدفه الاساس كما هو الحال في الوضع البائس الحالي تحت وزارة الداخلية ، كما يجب أن يكون لهذا الجهاز مجلس أعلى يحدد سياساته ويراقب ويحوكم أعماله .
يمكن لهذا الجهاز المستقل أن يضع إستراتيجيات واضحة لمكافحة الإرهاب وأن يقوم بمعرفة الأسباب الحقيقية للارهاب وكيفية مكافحتها ومعالجة تلك الأسباب ، وأن يكون قادر علي حصر الإرهاب في حدودة المعقولة بعيداً عن البارانويا التي تسلكها الوزارة حالياً، لذا فجهاز مستقل متخصص ومحترف وغير مشغول بإعباء أخرى كحال وزارة الداخلية يمكن أن يكون أكثر نجاحاً وتخصصاً.

إرهاب مقابل إرهاب:

إن وضع الوزارة الحالي يدل على فشل واضح في معالجة ملف الإرهاب والواقع خير شاهد فالأعمال الإرهابية انتشرت في كل مكان عبر عقدين من الزمن ، كما أن معالجته تمت عبر قيام الدولة بممارسة الإرهاب ذاته أحياناً – إرهاب دولة – الذي يفترض أنها تعالجه وما كان يتم ذلك لو لم يترك لشخصيات معينة وإستراتيجيات وخطط وأعمال غير شفافة ، كما أنه لايقل عن خطر الأفراد أو المجموعات الإرهابية إلا قيام أجهزة الدولة بممارسة الإرهاب ( أي العنف السياسي ضد الشعب ) لتحقيق أهداف السلطة والتي للأسف تكرست في وزارة الداخلية عبر هيمنتها على كافة الأجهزة التنفيذية الأخري في الدولة .
لايمكن تغطية الشمس بغربال فالحقيقة باتت معروفة لدي الجميع والجميع يتساءل ومن لايتساءل ممن هو في الداخل ففي فمه ماء كما يقال، فإذا قامت الدولة من خلال أجهزتها القمعية بانتهاكات بليغة لحقوق الإنسان في التعذيب و قتل المتظاهرين و الإخفاء القسري وزيادة حالات الاعدام بالتعزير و إهدار حقوق الإنسان المعروفة في الإعلان العالمي و المعاهدات الدولية وفي سكوتها أو تغطيتها عن دعم بعض الأشخاص أو الجماعات القيام بتفجيرات ضد أهداف معينة أو التدخل في شؤون دول أخرى , تعتبر الدولة ممارسة للإرهاب وراعية للعنف السياسي من خلال إشاعة الرعب والخوف ومصادرة الحريات الأساسية . وهذا يوجب محاسبة المسؤولين عن ذلك لأنها تعد من الجرائم الدولية الخطيرة ،
إذاً فالإرهاب قد يمارس من خلال أجهزة الدولة ضد الشعب ومصادرة حقوقه الأساسية والانفراد في الحكم أو المنصب و التحكم بمصيره ورفض كل شكل من أشكال الرأي الأخر أو احترام التعددية السياسية وذلك يكون بالقبضة الأمنية القوية أو بحجج واهية منها مثلا افتعال وجود الخطر الداخلي أو الخطر الخارجي وفي ذلك هدم لكل مؤسسات الدولة والمجتمع وتمجيد دور الفرد المنقذ.
هذا ماقد يؤول اليه مسار مكافحة الإرهاب إن لم يكن قد أصبح كذلك إذا بقيت وزارة الداخلية ممسكة بكافة مفاصل السلطة التنفيذية وبرامج الإرهاب والمناصحة والرعاية والإعلام والحدود وأمارات المناطق والجوازات والمرور والشرطة وساهر و…الخ
إنتهي،،،،،،

بقلم: د.حسن العمري

EN