الرئيسية » مقالات حقوقية » كيف تعاقب السلطات السعودية المدافعين عن حقوق الإنسان وأصحاب الرأي؟

كيف تعاقب السلطات السعودية المدافعين عن حقوق الإنسان وأصحاب الرأي؟

في بلد مركزي وهام كالمملكة العربية السعودية والذي يقطنه قرابة عشرون مليون نسمة، الكثير يعلم أن حقوق الإنسان فيه مقلقة للغاية، وأن مئات المدافعين عن حقوق الإنسان وأصحاب الرأي معتقلون أو ممنوعون من السفر، لكن مالا يعلمه الكثير هو كيف تعاقب السلطات السعودية المدافعين عن حقوق الإنسان وأصحاب الرأي؟
من المعلوم أن المملكة العربية السعودية دولة يستند نظامها الأساسي للحكم على مبادئ الشريعة الإسلامية كما هو منصوص في ذلك النظام، كما أنها وقعت على الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي ينص في مادته الثانية والثلاثون على: (يضمن هذا الميثاق الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير وكذلك الحق في استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة ودونما اعتبار للحدود الجغرافية).
ولكن للأسف فإن سجل وممارسة السلطات السعودية في مجال حقوق الإنسان ومنها حرية الرأي المسئول، مقلقة للغاية. ونسجل نحن في ديوان المظالم الأهلي “ديواني” عشرات الحالات شهرياً عن انتهاكات جسيمة تمس نشطاء أو كتاب أو إعلاميين يقومون بالتعبير عن آرائهم ويشترك الكثير منهم في طرح رؤى إصلاحية للبلاد، ولكن السلطة عوضاً عن الاستجابة أو الحوار مع أصحاب تلك الرؤى والطروحات، اعتمدت حلولاً أمنية تقوم على إطلاق يد وزارة الداخلية وأجهزتها المختلفة لمضايقة ومصادرة حقهم في التعبير عن الرأي وقول كلمة الحق أحياناً أخرى، أضف إلي ذلك هيمنة وزارة الداخلية على هيئة التحقيق والإدعاء العام والمحاكم الجزائية المتخصصة التي أنشئت من أجل معاقبة كافة معارضي السلطة.
هنا نسرد بعض التهم السياسية التي ساقها الإدعاء العام السعودي، ونطق بجزاءاتها القضاء المنزاح للسياسة، وسنقوم بمناقشة نموذج واحد لإحدى التهم الصادرة من هيئة التحقيق والإدعاء العام ومدى دستورية قيامها بالتشريع لتهم غير منصوص عليها في الأنظمة، كما أنها ليست جهة استنباط شرعي لتقوم باستنباط وصياغة (تهم) لتكون بمثابة تشريع، حيث إنها ليست جهة تشريعية (تنظيمية) ليتلقفها بعد ذلك قضاء (منزاح جزائياً) للسلطة والسياسة يتم تسليطه على المعارضين أو الراغبين في التعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية واستقلالية.

أولاً: سرد التُهم الجزائية – غير الشرعية – الموجهة لبعض الأفراد
التحريض على الخروج على ولي الأمر والطعن في صحة بيعته.
الطعن في السلطة القضائية والتشكيك في نزاهة الإجراءات التي تباشرها.
الاستهزاء بهيئة كبار العلماء والقدح في أمانتها وديانتها وأنها مجرد أدوات تصدق على مدونات تُقدم إليها لقاء دعم مالي ومعنوي.
اتهام مؤسسات الدولة والمسئولين فيها بالتقصير في أداء واجباتها نحو الشعب السعودي.
الاشتراك في إثارة الفتنة والتنسيق للاعتصامات والمظاهرات والتحريض عليها.
إعداد وتخزين وإرسال ما من شأنه المساس بالنظام العام المجرّم والمعاقب عليه وفقاً لنظام مكافحة الجرائم المعلوماتية.
الدعوة والتحريض على مخالفة النظام وإشاعة الفوضى والإخلال بالأمن والطمأنينة العامة من خلال إعداد وصياغة ونشر بيان يدعوا إلى التظاهر في الميادين العامة والاستمرار فيها والإرشاد إلى طرق متعددة لتنفيذ هذه المظاهرات.
وصف نظام الحكم السعودي بأنه نظام بوليسي يقوم على الجور والقمع ويتبرقع بالدين واستخدام القضاء لتقنين الظلم من أجل استمرار الفتك المنهجي بحقوق الإنسان.
تأليب الرأي العام باتهام الجهات الأمنية وكبار المسئولين فيها بالقمع والتعذيب والاغتيال والاختفاء القسري وانتهاك حقوق الإنسان.
الاشتراك في جمعية غير مرخصة وإظهارها كواقع لنشر الفرقة والشقاق ونشر الاتهامات لمؤسسات الدولة العدلية والتنفيذية وكبار المسئولين.
نشر معلومات في شبكة الإنترنت عن إجراءات التحقيق التي تتم مع المضبوطين بعد تعهدهم بعدم النشر.
القدح في شخص ولي الأمر والدعوة إلى مخالفة النظام والتحريض على ذلك من خلال التوقيع على بيان ونشره يدعوا إلى التظاهر في الميادين العامة.
تصوير بعض التجمعات التي تهدف إلى تأليب الرأي العام وبثها على الإنترنت.
الترويج لأخبار كاذبة وإشاعات مغرضة على الإنترنت بهدف الإساءة إلى الدولة وتأليب العامة وإحداث الفوضى.
السعي لغرس بذور الفتنة والانشقاق ونزع الولاية والخروج على ولي الأمر وولي عهده والتشكيك في الذمم والإساءة للمسئولين في الدولة.
استعداء المنظمات الدولية ضد المملكة وتحريضها للتركيز على انتقاد مقومات المملكة الأساسية المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وصف جهاز المباحث العامة بأنها مليشيات خارجة عن القانون.
تقديم وقائع ومعلومات كاذبة على أنها صحيحة والتمسك والاحتجاج بها إلى أجهزة دولية رسمية.
تعطيل عجلة التنمية.
التواصل مع بعض الشخصيات.
بعد سرد كل ما سبق فإننا نقول أن السلطات السعودية تقوم: بالاتهام بتُهم جنائية ليس لها أصل أو وصف. فلا يوجد في الشرع أو في النظام جرائم جنائية بالمسميات السابق سردها، ذلك أن أساس تجريم الأفعال في الشريعة والنظام هو وجود نص منضبط وحاكم وآمر، لأن هذا يحمل معاني العدل والإنصاف وحماية الحقوق والحريات. فإن الفعل أو الترك لا يحمل وصف الجريمة تحكماً يطلقه من شاء ومتى شاء، بل لابد لاعتبار الفعل أو الترك جريمة أن يوجد نص شرعي يحظر ذلك ويعاقب عليه، إذ لا يحكم أفعال العقلاء قبل ورود النص، كما أن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة. وبذلك يتضح أن الشريعة الإسلامية قد بيّنت الجرائم كلها تصريحاً أو دلالة، ولا تُجيز وصف فعل أو ترك بالحلّ أو بالتحريم بلا نص أو دليل.

ثانيا: مناقشة نموذج لإحدى التهم (عقوبة المنع من السفر)
الحكم بالمنع من السفر كعقوبة مستقلة. أن المنع من السفر لا يصح اعتباره عقوبة في حدّ ذاته كما جاء في الأحكام القضائية الصادرة، ذلك أن المنع من السفر استخدم كعقوبة مستقلة في ثلاث حالات فقط، وهي على سبيل الحصر. وهي المادة رقم (56) من نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/39) وتاريخ: 8/7/1426هـ (13/08/2005)، والمادة رقم (23) من نظام مكافحة الغش التجاري الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/19) وتاريخ: 23/4/1429هـ (29/04/2008)، والمادة رقم (22) من نظام مكافحة غسيل الأموال ولائحته التنفيذية.
ومن الجدير بالذكر أن المنع من السفر – في غير ما ذُكر- يُعتبر إجراءً احترازياً، ومن المفترض في الإجراء الاحترازي ألا يتعدى هذا المعنى بأي حال. لكن أن تفرده المحاكم كعقوبة مستقلة، وبشكل فجّ (المنع من السفر لمدة عشرين سنة في بعض الحالات بعد انتهاء تنفيذ العقوبة) فهذه فرية عظيمة تكشف معنى الانتقام المشرعن بكل معاني الكلمة. فالمنع من السفر هو إجراء مُستعجل يُسفر استخدامه عن كونه إجراء احتياطي واستثنائي، وليس أدلّ على ذلك مما ورد في المادة رقم (208) من نظام المرافعات الشرعية السعودي ولائحته التنفيذية والتي تنص على أنه (لكل مدع بحق على آخر أثناء نظر الدعوى أو قبل تقديمها مباشرة أن يقدم إلى المحكمة المختصة بالموضوع دعوى مستعجلة لمنع خصمه من السفر، وعلى القاضي أن يصدر أمراً بالمنع إذا قامت أسباب تدعو إلى الظن أن سفر المدعى عليه أمر متوقع وبأنه يعرض حق المدعي للخطر أو يؤخر أداءه ويشترط تقديم المدعي تأميناً يحدده القاضي لتعويض المدعى عليه متى ظهر أن المدعي غير محق في دعواه، ويحكم بالتعويض مع الحكم في الموضوع ويقدر بحسب ما لحق المدعى عليه من أضرار لتأخيره عن السفر).
كما أن المنع من السفر ليس إجراءً مستقلاً بذاته، بل هو إجراء قرين لإجراء آخر. وفي هذا المفهوم فإن المنع من السفر لا يُعتبر عقوبة تكميلية ولا عقوبة تبعية، بل لا يعدو عن كونه إجراء احترازي، والخروج عن هذا الإطار بإقراره عقوبة مستقلة يُعتبر عنواناً للتشفي والإمعان في الظلم وإهدار قيم عدالة وسماحة الشرع والنظام. وعلى هذا المعنى تنص المادة السادسة من نظام وثائق السفر الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/24) وتاريخ: 28/5/1421هـ (28/08/2000) على أنه (لا يجوز المنع من السفر إلا بحكم قضائي أو بقرار يصدره وزير الداخلية لأسباب محددة تتعلق بالأمن ولمدة معلومة، وفي كلتا الحالتين يُبلغ الممنوع من السفر في فترة لا تتجاوز أسبوعاً من تاريخ صدور الحكم أو القرار بمنعه من السفر). وهذا النص يُضفي على إجراء المنع من السفر الصبغة الاحترازية.
تم في تقرير أصدرته “ديواني” بعنوان “محتجون” عن (التُهم والأحكام (الجنائية السياسية) الصادرة من الادعاء والقضاء السعودي بحق ناشطين حقوقيين وسياسيين)، مناقشة مدى توافق تلك التهم والأحكام مع ضمانات المحاكمة العادلة الواردة في القانون الدولي، وذلك – بالطبع – بعد بيان عدم موافقتها لأحكام وروح الشريعة الإسلامية السمحاء.
تم أيضاً في ذلك التقرير عرض بعض الحالات لشخصيات سعودية من مختلف المشارب والاتجاهات وقعت ضحية انتهاكات السلطة عبر محاكمات غير عادلة وأحكام مثيرة.
نأمل أن نكون وفقنا في تسليط الضوء في هذا الموجز عن تلك الحالات وأصحابها للمساهمة في رفع الظلم الواقع عليهم ومساندتهم بالإضافة إلى توجيه توصيات للسلطة لمعالجة ذلك الخلل البنيوي في أجهزة الدولة القضائية والتشريعية والتنفيذية.

بقلم: د. حسن العمري 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *